الأحد، 3 فبراير، 2013

المستثمر الذكي


المستثمر الذكي

تمهيد للطبعة الرابعة
بقلم / " وارن بافيت  "

لقد قرأت الطبعة الاولى من هذا الكتاب اوائل عام 1950 عندما كنت في التاسعة عشرة من عمرى , و ظننت اَنذاك أنه أفضل كتاب على الاطلاق عن الاستثمار و ما زلت عند رأيى فيه.
إن الاستثمارالناجح الذي يستمر مدى الحياة لا تطلب ذكاء خارقا أو قدرات غير عادية أو معلومات داخلية عن الشركة , و إنما يتطلب إطارا فكرياً سليماً لإتخاذ القرارات والحيلولة دون أن تفسده العواطف . و هو بالضبط ما يقدمه لك هذا الكاتب الذي يحدد بوضوح و بمنتهى الدقة معالم هذا الاطار الفكرى , و أن كان يتحتم عليك إظهار قدر من الانضباط العاطفى من جانبك .
و مما لا شك فيه أنك إذا سرت على هدى المبادىء السلوكية و الاستثمارية التى يؤيدها
 " جراهام " و إذا وجهت جل اهتماماتك للنصائح التى لا تقدر بثمن التى يتضمنها الفصل الثامن والعشرون فلن تجنى سوى أطيب الثمار من استثماراتك  (  و هو يعد بمثابة إنجاز أعظم  مما قد يتبادر إلى هناك  )  . أن تحقيقك لنتائج استثنائية سوف يعتمد على الجهد والفكر اللذين سوف تستعين بهما في استثماراتك , و على مقدار الجهة السائدة في سوق البورصة خلال فترة انخراطك في نشاطك الاستثمارى . الذي يسعى لتحقيق النجاح لذلك لا مراء في أنك إذا سرت على خطى جراهام , فسوف تستفيد من تلك الجهالة و لن تكون شريكا فيها .
لقد كان جراهام بالنسبة لي أكثر من مجرد مؤلف أو معلم , فمن دون الاشخاص الذين عرفتهم كان هو أكثرهم تاثيرا في حياتى فيما عدا والدى بالطبع . وعقب موت " بن " بفترة وجيزة عام 1976 كتبت كلمة موجزة إحياء لذكراه في صحيفة " Financial Analysts Journal "  . و في و في قراءتكم للكتاب اعتقد أنكم سوف تلاحظون بعضا من تلك الخصال التى ذكرتها تحية ووفاء لذكراه .







بنيامين جراهام
 ( 1894 – 1976 )
منذ عدة سنوات خلت , ذكر " جراهام " الذي كان بلغ الثمانين من عمره اَنذاك , لأحد أصدقائه أنه ظل يفكر في كل يوم في أن " يقوم بعمل أحمق وخلاق وكريم في أن واحد " .
أن الاشارة إلى هذا الهدف الغـريب المبدئى عكست موهبته الخاصة في تجميع الافكار و صياغتها في شكل يتلافى اعطاء أي شعور بأنه يلقى المواعظ أو أن لديه أي نوع من الغرور  أو الكبر . و على الرغم من أن افكاره كانت قوية إلا أنه عبر عنها بلطف ودماثة خلق .
إن قراء هذه المجلة في غنى عن الحديث المستفيض عن إنجازاته التى قدرت حق قدرها من الناحية الابداعية , و من المعتاد أن تجد خلفاء أحد مؤسسى النظم أو فروع العلم يتفوق على استاذه ويجذب البساط من تحت أقدامه في وقت قصير . و لكن طوال اربعين عاما تلت نشر هذا الكتاب الذي أدخل النظام و المنطق على نشاط مضطرب يفتقر إلى النظام , كان من الصعوبة بمكان التفكير في مرشح يخلفه في مجال تحليل الاوراق المالية . و في مجال تبدو فيه الكثير من الكتابات سخيفة لا معنى لها في غضون عده اسابيع أو اشهر قليلة ظلت مبادىء " بن " على ثباتها و صحتها , بل و ازدادت قيمتها وضوحا و قوة في اعقاب العواصف المالية التى اطاحت بالهياكل الفكرية الأضعف بنيانا . أن نصائحه السديدة حققت لمن اتبعوا منهجه أفضل النتائج و حتى هؤلاء ذوى القدرات المحدودة , استطاعوا تحقيق نتائج فاقت اولئك الناش الأكثر موهبة و الذين اصابهم الاخفاق عندما لجئوا إلى تلك الافكار البراقة السائدة .
و من اوضح الشواهد على بزوغ نجم " بنيامين " في مجاله المهنى هو أنه حاز هذه المكانة بدون أن يلجأ إلى تضييق نطاق النشاط الفكرى الذي من شأنه تركيز الجهود كلها على تحقيق غاية واحدة . وهذه السياسة التى حققها في مجاله المهنى كانت نتائج عقلية فكرية تفوق في اتساعها أي قدرة على وصفها . و مما لاشك فيه اننى لم اصادف في حياتى عقلا بهذه الصورة . فهو قادر على تذكر كل شىء واستدعائه إلى الذاكرة , ويمتلك شغفا لا نهائيا بالمعارف الحديثة وقدرة على إعادة بلورتها لكى تصبح صالح لحل بعض المشاكل التى قد تبدو ظاهريا غير ذات صلة بهذه المعارف . و لقد كان هو يجد متعته وسروره في التوصل لهذه الروابط و الكشف عنها.
اما الشق الثالث لهدفه  - أي الكرم - فقد فاق في كرمه جميع من حوله . فلقد كنت اعرف
 "  بن " كمعلم و رئيس في العمل و صديق . و لقد اتسمت علاقاته بتلاميذه مرؤسيه و أصدقائه بسعة الافق و لقد كان يبذل قسطا كبيرا من افكاره و وقته و روحه لتعزيز هذه العلاقات . فإذا كنت تسعى لافكار واضحة قستجد غايتك كهذه . و لا حاجة بك إلى أن نذهب إلى مكان اخر . و إذا كنت تحتاج للتشجيع أو المشورة كان بن موجودا لتقديمها .
لقد كان " ولتر ليبمان " قد تحدث عن رجال غرسوا أشجارا يجلس في ظلها الوارف أشخاص آخرون . و لقد كان  جراهام واحدا من هؤلاء الرجال .
عام 1976 عدد  (  نوفمبر – ديسمبر  )   " Financial Analysts Journal " اعيد طباعة هذا المقال من

نبذه عن " بنيامين جراهام "
بقلم / " جاسون زفايج  "


من هو " بنيامين جراهام " ؟ ولماذا بجب أن نصغى اليه ؟
أن " جراهام " لم يكن فقط أحد أعظم  المستثمرين على  الاطلاق , بل كان أعظم  مفكر استثمارى على مر العصور . فقبل " جراهام  " كان المديرون الماليون يتصرفون كأناس من العصور الوسطى , يعتمدون إلى حد كبير على الخرافات والتخمينات والطقوس البائدة , ثم جاء كتاب  " جراهام  " ليبيد هذا الغموض ويحوله إلى مهنة عصرية  * .
لقد اكتسب " جراهام " الخبرة والتبصر بالامور بالطريق الشاق . فقد جرب بنفسه ألم الخسارة المالية بالاضافة إلى أنه قد قام بدراسة تاريخ الأسواق وسيكولوجيتها لعقود طويلة . وكان
 "  بنيامين جراهام " قد ولد في 9 مايو عام 1894 في لندن لاب يعمل تاجرا في الاطباق والتحف الصينية    . وقد انقلت اسرة " جراهام " إلى مدينة نيويورك وعمره عام واحد . و في البداية كانت اسرته تعيش حياة ميسورة ولديها خادمة وطاهية ومربية فرنسية وتقطن حى
 "  فيفث أفينو " و لكن توفى والد " بن " في عام 1903 وسرعان ما تعثرت تجارته
 وسرعان ما اصبحت الاسرة تعانى الفاقة والعوز . و لقد قامت والدة " بن " بتحويل منزلهم إلى منزل ضيافة , ثم سرعان ما تحطمت احلام والدته التى كانت قد استدانت بعض المال لتداول الأسهم " بهامش الوقاية " مع الانهيار الذي شهده عام 1907 . وظل " جراهام " يتذكر طوال حياته الذل والمهانة اللذين كان يشعر بهما في كل مرة يذهب لسداد شيك عن والدته , حينما كان يسمع موظف الشباك و هو يردد قائلا : " هل تساوى " دوروثى جراهام " خمسة دولارات " ؟ .
ومن يمن الطاع أن " جراهام " فاز بمنحة دراسية بجامعة كولومبيا , حيث بزغ نجم عبقريته . و لقد تخرج " جراهام " عام 1914 ليحتل المرتبة الثانية على اقرانه . وقبل أن ينهى " جراهام " عامه الدراسى الأخير كانت ثلاثة اقسام بالجامعة وهى : " اللغة الانجليزية , والفلسفة , والرياضيات " قد طلبت منه الانضمام اليها . وكان " جراهام " اَنذاك لا يتعدى العشرين من عمره .
وبدلا من العمل في الحقل الاكاديمى قرر " جراهام " أن يجرب حظه في " وول ستريت " . وبدأ حياته كموظف في شركة لتداول السندات , وسرعان ما تحول إلى محلل , ثم إلى شريك , وقبل أن تمضى فترة طويلة كان " جراهام " يدير شركته الاستثمارية الخاصة .
ان ازدهار صناعة الانترنت وتدهورها لم يكن يثير دهشة " جراهام "  . ففى ابريل عام 1919 , حقق عائدا بلغ 205 % في اول ايام تداول سهم  " سافولد تاير " و الذي كان بمثابة طرح جديد في نشاط السيارات المزدهر , و لكن بحلول شهر اكتوبر تم انهاء الشركة  بالتحايل واصبح سهمها لا يساوى شيئا .
لقد أصبح " جراهام " بارعا في اجراء بحوث في الأسهم تتميز باهتمامها بأدق التفاصيل . في عام 1925 , و في و في تفحصه للتقارير الغامضة التى قدمتها شركات البترول إلى لجنة التجارة
عبر الولايات المتحدة علم أن شركة " نورثرن بايب لاين كو " التى كان يتم تداول اسهمها اَنذاك ب 56 دولارا للسهم تحتفظ بسندات ممتازة تعادل السهم الذي يبلغ سعره 80 دولارا  (  قام " جراهام " بشراء السهم وأجبر مديرى الشركة على دفع التوزيعات محققا ارتفاعا في قيمة السهم يصل إلى 110 دولارات بعد ذلك بثلاث سنوات  )  .
وعلى الرغم من الخسائر الفادحة التى وصلت إلى 70 % في و في الانهيار العظيم الذي حدث ما بين عامى 1929 و 1932 كُتبت النجاة ل " جراهام " وحقق الثراء بعدها , حيث حصد الصفقات الرخيصة من حطام سوق المضاربة على الصعود . و لا يتوفر لدينا أي سجل دقيق للعوائد المالية التى حققها " جراهام " , و لكن منذ عام 1936 وحتى تقاعده عام 1956 ظلت شركة " جراهام – نيومان " تحقق عائدا يصل إلى 14.7 % سنويا بالمقارنة ب 12.2 %


 لسوق الأسهم بأسره – و هو ما يعد أفضل سجل طويل الأمد في تاريخ " وول ستريت "    .
ولكن كيف فعلها " جراهام " ؟ أن " جراهام " – الذي جمع بين القدرات العقلية الاستثنائية والفطرة السليمة والخبرة العـريضة  - قام بتطوير مبادئه الاساسية لكى تصلح لكل زمان ومكان و من بينها :
1  )  أن السهم ليس مجرد رمز أو اشارة الكترونية , بل هو حصة ملكية في نشاط له قيمة حقيقية لا تعتمد على سعر سهمه .
2  )  السوق مثل البندول الذي يتأرجح دوما بين التفاؤل الذي لا اساس له  (  الذي يجعل الأسهم باهظة الثمن  )  والتشاؤم الذي لامبرر له  (  الذي يجعل الأسهم رخيصة وتباع بثمن بخس  )  . و لكن المستثمر الذكى شخص واقعى يبيع للمتفائلين ويشترى من المتشائمين .
3  )  أن القيمة المستقبلية لكل اشتثمار هى وظيفة سعرها الحالى , وكلما ارتفع السعر انخفضت عوائدك .
4  )  مهما كنت حريصا فإن المخاطرة التى لا يستطيع أي مستثمر أن يتحاشاها هى إلا يكون على صواب . وفقط ما يطلق عليه " جراهام "  " هامش الوقاية " – أي عدم الافراط في دفع الاموال مهما بدا الاستثمار مثيرا – يمكنك الحد من فرص وقوعك في الخطأ .
5  )  أن سر نجاحك الماى يكمن داخلك , فإذا اصبحت مفكرا ذو عين ناقدة لا يأخذ " حقائق "    " وول ستريت " على أنها امر مسلم به ,و إذا تحليت بالصبر فيما تقيمه من استثمارات فسوف تستفيد من الفرص المتاحة أمامك حتى في ظل وجود أسوأ أسواق المضاربة على الهبوط . و من خلال تحليك بالانضباط والاقدام يصبح في وسعك أن ترفض أن يتحكم المزاج المتقلب للاَخرين في مستقبلك المالى . و في النهاية اقول لك أن السلوك الذي تسلكه انت يكون أكثر اهمية من السلوك الذي تسلكه استثماراتك .
يتمثل هدف هذه الطبعة المنفتحة من الكتاب في تطبيق أفكار " جراهام " على الأسواق المالية الحالية بدون المساس بالنص الأصلى  (  باستثناء الحاشية , و ذلك بغرض التوضيح        )  و بعد كل فصل من فصول كتاب " جراهام " سوف تجد تعليقاً جديداً . و لقد وضعت في الخطوط الارشادية للقراء امثلة حديثة توضح لأى مدى تنطبق مبادىء " جراهام " على ما يحدث في السوق الحالى في وقتنا الحالى .
ان الحسد ليملأ قلبى لما سوف تستشعرونه من اثارة وتبصر عند قراءتكم لهذه التحفة التى كتبها " جراهام " لأول مرة , أو حتى عندما تقرؤنها للمرة الثالثة أو الرابعة . فمثل جميع الأعمال الكلاسيكية , فإن عمل " جراهام " يغير نظرتنا إلى العالم , ويجدد نفسه من خلال تثقيفه لنا . وكلما قرأت الكتاب زادات متعتك ,و إذا ما اتخذت من " جراهام " مرشداً ودليلاً , فسوف تصبح و لا شك مستثمرا أكثر ذكاء .



مقدمة :
الاهداف المرجوة من هذا الكتاب

يتمثل هدف هذا الكتاب في وضع خطوط ‘رشادية على نحو يتلائم مع الشخص العادى – لاتباع سياسة استثنارية و تنفيذها . وبالمقارنة يمحتويات الكتاب لن نخوض في هذا المقام في الحديث باستفاضة عن تحليل الاوراق المالية , با سنولى جل اهتمامنا للمبادىء الاستثمارية  ومواقف المستثمرين . وسوف نتعرض لعدد من المقارنات الموجزة لأوراق مالية بعينها في صورة ثنائيات من الشركات تظهر جنبا إلى جنب على قائمة بورصة نيويورك و ذلك لتوضيح العناصر المهمة لاختيار الأسهم العادية بأسلوب واقعى .
وسوف نخصص مساحة كبيرة للحديث عن الانماط التاريخية للاسواق المالية التى تعود في بعض الحالات إلى عقود عديدة . ولكى ينجح المرء في استثمار أمواله على نحو يتسم بالذكاء في الاوراق المالية عليه أن يتسلح بقدر كاف من المعرفة بأسلوب تحرك الأنواع المختلفة من الأسهم والسندات في ظل مختلف الظروف التى قد يصادفها البعض في حياته مرة اخرى . و ما من عبارو تنطبق أشد ما تنطبق على " وول ستريت " و على نحو صادق مثل التحذير الشهير الذي أطلقه " سانتايانا " حين قال : " من لا يذكر الماضى فهو محكوم عليه بتكراره " .
نحن نوجه كتابنا هذا إلى المستثمرين الذين يختلفون عن المضاربين ؛ لذلك تتمثل مهمتنا الاساسية في توضيح هذا الفارق الذي طواه النسيان والتأكيد عليه . ولكننا نود أن نوضح في البداية أن هذا الكتاب ليس من نوعية الكتب التى تخبرك كيف " تكسب مليون دولاراً " فلا توجد سبل سهلة لتحقيق الثراء في " وول ستريت " و لا في أي مكان اَخر غيره ! وقد يكون من الأفضل أن نوضح بعضاً من النقاط سالفة الذكر من خلال تقديم لمحة عن التاريخ المالى , خاصة أن هناك دروساً شتى يمكن الاستفادة منها . ففلا عام 1929 المتقلب أثنى " جون جاى راسكوب " – و هو شخصية معروفة على المستوى القومى و على مستوى " وول ستريت " – " Ladies Home Journalثناء شديداً على نعم ومزايا الرأسمالية في مقال نشر في صحيفة  "  " بعنوان " ينبغى أن يحقق الجميع الثراء " وقامت فرضية المقال على أن ادخار 15 دولارا فقط كل شهر تستثمر في الأسهم العادية الجيدة – وإعادة استثمار التوزيعات – سوف يدر ما قيمته 80 الف دولاراً في غضون عشرين عاماً بالمقارنة بمساهمات إجمالية تقدر ب 3600 دولاراً فقط . و لكن لو أن امبراطور " جنرال موتورز " على حق لكان هذا بالتأكيد أسهل طريقة نحو تحقيق الثراء . و لكن إلى أي مدى أصاب الرجل كبد الحقيقة ؟ أن حسابتنا المبدئية – القائمة على افتراض استثمار الأموال في الأسهم التى يتأليف منها مؤشر داو جونز تشير إلى أنه كان قد تم اتباع نصيحة " راسكوب " في الفترة ما بين عام 1929 – 1948 فإن حيازة المستثمر في بداية عام 1949 كانت ستبلغ 8500 دولاراً . و هو مبلغ أقل بكثير من مبلغ 180 الف دولاراً الذي وعد ذلك الرجل العظيم بتحقيقه , ويوضح ؟أيضاً ضرورة عدم التعويل كثيراً على  مثل هذه التنبؤات التى تبالغ في التفاؤل و لكن بعيداً عن هذه الحقيقة تجدر الاشارة إلى أن الاستثمار خلال فترة عشرين عاماً كان سيحقق عائداً أفضل من نسبة الـ 8 % المركب سنوياً – و ذلك على الرغم من حقيقة أن المستثمر كان سيبدأ عمليات الشراء بأسهم داو جونز وهى عند 300 نقطة , وينتهى به المطاف عند التقييم القائم على مستوى اغلاق عام 1948 الذي وصل إلى 177 نقطة . وقد يكون هذا السجل مؤيداً للرأى القائل بضرورة القيام بعمليات شراء شهرية منتظمة للأسهم العادية القوية خلال الأوقات الجيدة أو العصيبة – و هذا البرنامج يطلق عليه اسم " توسيط التكلفة " .
ونظراً لأن كتابنا ليس موجهاً للمضاربين فهو لا يهم الذي يقومون بعمليات التداول في            البورصة . فهؤلاء يسترشدون غالباً بالرسوم البيانية أو أي أساليب ميكانيكية أخرى تحدد لهم التوقيت الصحيح للبيع والشراء . أن المبدأ الوحيد الذي ينطبق على جميع هذه   " الأساليب الفنية " المزعومة هو ضرورة الشراء لأن السهم أو السوق في إرتفاع , أو البيع لأن السهم أو السوق في انخفاض . و هذا بالتحديد نقيض الفطرة السليمة لإقامة الأعمال , ولن يؤدى في أغلب الأحيان إلى تحقيق النجاح الدائم في " وول ستريت " و على ضوء ملاحظتنا وخبرتنا في مجال البورصة التى تمتد إلى خمسين عاماً لم نسمع عن شخص واحد استطاع كسب المال باستمرار أو بصورة دائمة من خلال " اتباع خطى السوق " , لذلك نحن لا نتردد في أن نعلنها بصراحة بأنهذا الأسلوب ينطوى على مغالطة تعادل في حجمها حجم انتشار ذلك الأسلوب ذاته . ولسوف نوضح ما سبق وقلناه للتو – و إن كان هذا لا يجب أن يؤخذ على أنه بمثابة دليل – و ذلك من خلال مناقشة موجزة لنظرية " داو " الشهيرة الاصة بتداول الأسهم في البورصة   .
منذ نشر هذا الكتاب عام 1965 توالت المراجعات التى أجريت له على فترات بلغت كل فترة منها خمس سنوات . و في و في تحديثنا للطبعة الحالية تعاملنا مع عدد من التطورات التى طرأت منذ اصدار طبعة عام 1965 .
 1 .  إرتفاع غير مسبوق لسعر فائدة السندات الممتازة .
 2 .  انخفاض نسبة 35 % في سعر الأسهم العادية البارزة في مايو عام 1970 . وكانت هذه  أعلى نسبة انخفاض خلال ثلاثين عاماً تقريباً  (  وهناك اصدارات منخفضة الجودة لا              حصر لها تقلصت قيمتها كثيرا عن ذلك  )  .        
 3 .  تضخم مستمر في تجارة العملة وأسعار المستهلك اكتسبت مزيداً مت الزخم حتى في ظل         التدهور العام في عالم المشروعات الذي شهده عام 1970 .
4 .   التطور السريع في " تكتلات الشركات " وعمليات منح حقوق الامتياز , وغيرهما من  البدع الأخرى في مجال الأعمال والتمويل  (  و لقد تضمنت تلك البدع أساليب خداعية مثل         " الورقة المالية غير المسجلة " وانتشار صكوك خيارات الأسهم , والأسماء المضللة             والاستعانة بالبنوك الأجنبية وغيرها  )    .
5 .   افلاس كبرى شركات السكك الحديدية وظهور الديون القصيرة و الطويلة الأجل الزائدة  على الحد للشركات التى كانت تتمتع بالقوة قيما مضى , بل وظهور مشكلة الملائمة بين          مؤسسات وول ستريت    .
6 .   ظهور موضة " الأداء " في إدارة صناديق الاستثمار و من بينها بعض صناديق الاستثمار التى تتولى إدارتها البنوك , والتى حققت نتائج مخيبة للاَمال .
إن هذه الظواهر سوف تحظى بنظرة متانية من جانبنا , وسوف يتطلب بعض منها تغيير النتائج والتأكيد على ما توصلنا إليه في طبعتنا السابقة . أن المبادىء الأساسية للاستثمار الجيد و السليم لا ينبغى أن تتغير من عقد لاَخر , و لكن ينبغى أن يتلائم تطبيق تلك المبادىء مع التغيرات المهمة في الاَليات والمناخ المالى .
ولقد تعرضت الجملة الأخيرة للاختبار و في كتابة النسخة الحالية والتى أنهيت المسودة الأولى منها في يناير عام 1971 . و لقد كان مؤشر دا جونز للشركات الصناعية يتعافى اَنذاك من الانخفاض الذي تعرض له , حيث وصل إلى 632 نقطة , زلكنه كان يتجه في عام 1971 إلى 951 نقطة وسط شعور بالقلق إزاء المستقبل . ولكننا لم نسمح لتلك التقلبات بتغيير موقفنا العام من السياسة الاستثمارية التى ظلت كما هى دون تغيير منذ الطبعة الاولى من هذا الكتاب عام 1949 .
إن حجم تقلص السوق بين عامى 1969 و 1970 أسهم  في تبديد الوهم الذي بدأ ينتشر منذ عقدين , و هو أن الأسهم العادية البازة يمكن شراؤها في أي وقت وبأى سعر مع ضمان ليس فقط تحقيق الربح في النهاية , بل تحويل أي خسارة عرضية تحدث في و في ذلك إلى ربح مع تجدد إرتفاع السوق إلى مستويات جديدة , و لكن كان حلماً أجمل من أن يتحقق على أرض الواقع ! فبعد فترة طويلة عادت سوق الأسهم إلى " وضعها الطبيعى " , بمعنى أنه ينبغى على المضاربين و على المستثمرين أن يستعدوا من جديد لأن يشهدوا انخفاضات جديدة في قيمة ملحوظة بل ومكولة جنباً إلى جنب مع حدوث زيادة قيمة حيازتهم . أما في مجال العديد من الأسهم الثانوية والمتدنية القيمة , خاصة أسهم  السوق مؤخراً , كان مأساوياً . و ما حدث لا يعد أمراً جديداً في حد ذاته – فقد حدث بدرجة مشابهة في عامى 1961 و 1962 – و لكن أصبح هناك عنصر جديد هو حقيقة أن العيد من الصناديق الاستثمارية أصبحت لديها التزامات ضخمة بإصدارات شديدة المضاربة ومبالغ في قيمتها بشكل واضح . من الواضح أنه ليس المبتدىء فقط هو من يحتاج إلى تحذير من حقيقة أنه في الوقت الذي يكون فيه الحماس ضرورياً من أجل تحقيق إنجازات عظمى في مجالات أخرى إلا أنه في وول ستريت قد يؤدى إلى كوارث .
إن الموضوع الرئيسى الذي ينبغى أن نتعامل معه ينبع من الإرتفاع الهائل في أسعار الفائدة على السندات الممتازة . ومنذ أواخر عام 1967 أصبح المستثمر قادراً على الحصول على ما يزيد على ضعف الدخل من مثل هذه السندات عما كان يحصل عليه من توزيعات الأسهم العادية المنتقاة . ففى بداية عام 1972 كان عائد السندات الممتازة 7.19 % في مقابل 2.76 % للأسهم الصناعية  (  هذا بالمقارنة بـ 4.40 % و 2.92 % على التوالى في نهاية 1964  )  . و من الصعوبة بمكان أن ندرك أنه عندما قمنا بتأليف هذا الكتاب لأول مرة عام 1949 كانت الأرقام على النقيض من ذلك تماماً : حيث حققت السندات عائداً يصل إلى 2.66 % وكان مبلغ عائد الأسهم 6.82 % . و لقد كنا نؤكد دائماً في الطبعات السابقة من الكتاب ضرورة تخصيص نسبة 25 % من حافظة المستثمر المحافظ على الأقل للأسهم العادية , و إن كنا نفضل بصفة عامة تقسيم الحافظة مناصفة بين الأسهم والسندات . و لكن ينبغى علينا أن نقرر ما إذا كان من الأفضل على ضوء المزايا الجيدة لعوائد السندات التى تفوق عوائد الأسهم – أن نفكر في سياسة تعتمد على السندات بصورة كلية حتى تعود العلاقة بين عوائد السندات والأسهم إلى منطقها السابق و هو ما نتوقع حدوثه في المستقبل . و من الطبيعى أن يكون موضوع التضخم  المستمر له اهميته للوصول إلى القرار الصائب في هذا الأمر . لذلك سوف نخصص فصلاً بأسره لهذه المناقشة  .
فيما مضى كان هناك اختلاف أساسى بين نوعى من المستثمرين الذين يخاطبهم هذا الكتاب – المستثمر " الدفاعى " و " الجرىء أو المغامر " . فالمستثمر الدفاعى  (  السلبى  )  سوف يركز على تلافى الوقوع في أخطاء جسيمة أو تكبد خسائر فادحة . أما هدفه الثانى فيتمثل في تجنب بذل المجهود , والمضايقة والحاجة إلى اتخاذ قرارات مستمرة . أما الصفة المميزة للمستثمر المغامر ,  (  النشط و الهجومى  )  هى استعداده لتخصيص الوقت والاهتمام لاختيار الأوراق المالية الصحيحة والأكثر جاذبية عن الأوراق متوسطة المستوى . و في وسع المستثمر الجرىء خلال عدة عقود الحصول على مكافأة مجزية مقابل مهاراته و مجهوده الإضافى , و ذلك في صورة عوائد فوق المتوسط تفوق تلك التى يحصل عليها المستثمر السلبى . و لكن تساورنا الشكوك في أن المستثمر النشط سوف يحصل علي مبلغ اضافى يكون بمثابة تعويض في ظل الظروف الحالية . و لكن قد يختلف الأمر في العام القادم أو خلال الأعوام التى تليه . لذلك سوف نعير المزيد من الاهتمام للإمكانيات الخاصة بالاستثمار النشط , حيث أنها كانت موجودة من قبل في فترات سابقة , و من المحتمل أن تعود مرة أخرى .
لقد كانت وجهة النظر السائدة لفترة طويلة هى أن فن الاستثمار الناجح إنما تقوم دعائمه على إختيار المجالات الصناعية التى من المحتمل أن تحقق نمواً متزايداً في المستقبل . ثم تحديد الشركات الواعدة أكثر من غيرها في تلك المجالات . على سبيل المثال كان أي مستثمر ذكى – أو أي من مستشاريه الأذكياء – ليدرك منذ فترة طويلة إمكانيات النمو العظيمة التى تتوافر في صناعة الكمبيوتر ككل و في شركة " انترناشونال بزنس ماشينز " بصفة خاصة . و بالمثل بالنسبة لعدد من صناعات النمو و شركات النمو الأخرى . و لكن هذا ليس أمراً سهلاً في حينه , ولكنه يبدو كذلك فيما بعد . ولتوضيح هذه النقطة في البداية دعونا نضف فقرة وضعناها لأول مرة في طبعة 1949 من هذا الكتاب :
إن مثل هذا المستثمر يكون قد اشترى أسهم  نقل جوى لاعتقاده بأنمستقبلها سوف يكون أفضل مما يعكسه اتجاه السوق بالفعل . ولهذه الفئة من المستثمرين سوف تكمن قيمة كتابنا في تحذيراته من الفخاخ التى قد ينصبها أتباع مثل هذا الاسلوب الاستثمارى القائم على إختيار السهم المفضل , أكثر من اتباع أسلوب يعينه على السير في طريقه  .

ولقد ثبت أن العثرات في هذه الصناعة سالفة الذكر شديدة الخطورة بصفة خاصة . و مما لا شك فيه أنه كان من اليسير التنبؤ بزيادة نمو حجم الطيران الجوى بمرور السنين , ونظراً لوجود هذا العنصر أصبحت أسهمها تمثل سرعة الاختيار المفضل لصناديق الاستثمار . و لكن على الرغم من زيادة العوائد – بسرعة فاقت ما يتحقق في مجال صناعة الكمبيوتر – فإن عدداً من المشاكل التكنولوجية والتوسع المفرط في الملائمة أدى إلى تقلبات شديدة ومدمرة في أرقام الأرباح  . و في عام 1970 , و على الرغم من إرتفاع أرقام النقل فقد كبدت شركات الطيران حملة أسهمها خسارة بلغت 200 مليون دولاراً .  (  و لقد تكبدت خسائر أيضا في عامى 1945 و 1961  )  . و لقد هبطت قيمة أسهم  هذه الشركات مجدداً في عامى 1969 , 1970 عن باقى أسهم  السوق . أن التاريخ يثبت أنه حتى الخبراء الذين يحصلون على رواتب مرتفعة من صناديق الاستثمار كانوا مخطئين تماماً بشأن المستقبل القريب لتلك الصناعة الكبرى المعروفة .
ومن ناحية أخرى , ففى الوقت الذي أقامت فيه الصناديق استثمارات هائلة وحصلت على أرباح هائلة من شركة " أي بى إم " فإن المزيج الذي يجمع بين السعر المرتفع واستحالة التيقن من معدل نمو الشركة في المستقبل منع الصناديق من وضع ما يزيد على 3 % من أموالها في تلك الشركات ذات الأداء الرائع . وبالتلى فإن تأثير هذا الاختيار الممتاز لم يكن واضحا على النتائج الكلية للصناديق . وفضلاً عن ذلك , العديد من استثماراتها الأخرى – إن ما لم يكن أغلبها – في شركات الكمبيوتر بخلاف " أي بى إم " كانت فيما يبدو غير مربحة . و من هذين المثالين يتعلم قراؤنا درسين مفيدين وهما :
1. أن الاحتمالات الواضحة لتحقيق نمو ملموس في النشاط لا تترجم إلى أرباح واضحة بالنسبة  للمستثمرين .
2. ليس لدى الخبراء أساليب يعتمدون عليها للاختيار والتركيز على الشركات الواعدة في غالبية الصناعات الواعدة أيضاً .
إن مؤلف الكتاب لم يتبع هذا الأسلوب خلال حياته المهنية , كمدير مالى , لذلك فهو لا يستطيع تقديم أي مشورة خاصة أو تشجيع لمن يرغب في تجربته .
إذن ما الهدف الذي يسعى إلي تحقيقه من خلال هذا الكتاب ؟ يتمثل هدفنا الـرئيسى في توفير الإرشاد للقارىء بعيداً عن المجالات التي يمكن  ارتكاب الأخطاء فيها ومساعدتهم في تطوير السياسات التى توفر لهم الشعور بالراحة . وسوف نتكلم فيما يلى عن الطبيعة النفسية للمستثمرين . فمما لا شك فيه أن المشكلة الرئيسية للمستثمر – بل وأسوأ أعدائه كذلك نفسه  (  " أن الخطأ عزيزى المستثمر لا يكمن في الحظ – و لا في الأسهم – و إنما يكمن في أنفسنا .. "   )  . و لقد ثبتت صحة هذه المقولة خلال العقود الأخيرة , وحيث أصبح من الضرورى بالنسبة للمستثمرين المتحفظين الحصول الأسهم العادية مما يجعلهم يعرضون أنفسهم للإثارة والإغراء اللذين يموج بهما سوق الأسهم . ونحن نأمل من خلال الاَراء والأمثلة والنصح والتحذير مساعدة قرائنا على اتخاذ المواقف العقلية والعاطفية الملائمة تجاه قراراتهم الاستثمارية . لقد شاهدنا قدراً هائلاً من الثروات يجمعها أشخاص عاديون استطاعوا الحفاظ عليها , و ذلك لأنهم كانوا مناسبين من الناحية العقلية والعاطفية لعملية الاستثمار أكثر ممن يفتقرون لهذه الصفة على الرغم من معرفتهم الموسعة بالمال والمحاسبة وسوق البورصة .
وفضلاً عن ذلك فنحن نأمل في أن نزرع داخل القارىء القدرة على القياس أو معرفة الكم . فيمكننا أن نقول أن تسعة وتسعين بالمائة من الإصدارات – تكون عند سعر معين رخيص بدرجة تكفى لشرائها , وعند سعر اَخر تكون باهظة بدرجة تتطلب القيام ببيعها . أن عادة الربط بين ما يدفع و ما يتم عرضه تعد من الخصال التى لا تقدر بثمن في عالم الاستثمار . و في مقال نشر في مجلة نسائية نصحنا قراءنا بشراء الأسهم كما يشترون الخضراوات وليس كما يشترون العطور . أن الخسائر الفادحة التى وقعت خلال السنوات القليلة الماضية  (  و في العديد من المناسبات الأخرى المماثلة  )  في إصدارات الأسهم العادية كانت بسبب نسيان المشترى أن يسأل عن الثمن .
وفى يونيو عام 1970 كان من السهل الإجابة عن سؤال " كم الثمن ؟ " بالرقم السحرى          9.40 % - عائد عمليات الاكتتاب العام . و لكن انخفضت هذه النسبة الاَن إلى 7.3 % و لكن حتى مثل هذا العائد يغرينا أن نسأل : " اماذا نعطى أي إجابة أخرى ؟ " و لكن هناك إجابات أخرى محتملة يمكن إعطاؤها , و لكن ينبغى التفكير فيها ملياً . وفضلا عن ذلك فنحن نكرر أنه يتحتم علينا و على قرائنا أن نستعد مسبقاً لإمكانية وجود ظروف مختلفة كما في الفترة ما بين عامى 1973 و 1977 .
لذلك سوف نقدم ببعض التفاصيل برنامجاً إيجابياً للاستثمار في الأسهم العادية الذي يناسب جزء منه كلتا الفئتين من المستثمرين , أما الجزء الاَخر فموجه بصفه خاصة نحو مجموعة المغامرين . و مما هو غريب في الأمر أننا سوف نقترح كأحد شروطنا الأساسية أن يقصر قراؤنا تعاملاتهم على الإصدارات التى تباع بما لا يفوق قيمة أصولها الملموسة   يرجع سبب هذه النصيحة التى تبدو قديمة الطراز إلى جوانب عملية ونفسية مهمة . فلقد علمتنا التجربة أنه في الوقت الذي يوجد فيه العديد من شركات النمو الجيدة التى تستحق تقييماً يفوق صافى أصولها بعدة مرات إلا أنه في هذه الحالة سوف يعتمد مشترى مثل هذه الأسهم على تقلبات سوق البورصة . و على النقيض من ذلك . فإن المستثمر في أسهم  شركات المرافق العامة على سبيل المثال والتى يكون سعرها يساوى قيمة صافى الأصول – يستطيع دائماً أن يعتبر نفسه مالك حصة في نشاط سليم وموسع بسعر معقول – بغض النظر عما قد يقوله السوق و الذي قد يتناقض مع ذلك . أن النتيجة النهائية لمثل هذه السياسة المتحفظة قد تؤتى ثماراً أفضل من تلك المغامرات التى تفترض الربح المضمون والتى دائماً ما تكون كحفوفة بالمخاطر .
إن فن الاستثمار يتسم بخاصية لم تقدر حق قدرها . حيث يمكن للمستثمر العادى أن يحقق نتيجة حقيقية وعادية بأقل مجهود وقدرة ممكنين ؛ و لكن لتحسين مستوى هذا المعيار الذي يسهل تطبيقه فإن الأمر يتكلب الكثير من التطبيق وأكثر من مجرد مسحة حكمة . فإذا كنت فقط تحاول أن تجعل للقليل من المعرفة الإضافية والمهارة تأثيراً على برنامجك الاستثمارى فسوف تجد نفسك بدلاً من أن تحقق ما هو أفضل من مجرد نتائج طبيعية قد أخفقت وكان أداؤك سيئاً .
وطالما أن أي شخص – بمجرد شراء قائمة مختارة من الأسهم والاحتفاظ بها – في وسعه أن يجعل مستوى أدائه مساوياً لمستوى أداء متوسطات السوق , فإنه يصبح من السهل " التغلب على المتوسطات " ؛ و لكن في حقيقة الأمر فإن نسبة الأشخاص الأذكياء الذين جربوا هذا الأسلوب واخفقوا فيه بدرجة كبيرة تبعث على الدهشة . وحتى غالبية صناديق الاستثمار بما فيها من موظفين ذوى خبرة لم يكن أداؤها جيداً عبر السنين مثلما كان أداء السوق العام . و مما يؤكد ما سبق سجل التنبؤات المنشورة لمؤسسات السمسرة بسوق الأسهم , حيث يوجد دليل قوى على أن تنبؤاتها المحسوبة لا يمكن الوثوق بها بقدر ما يمكن الوثوق بنتيجة التنبؤ بسقوط عملة معدنية على أحد وجهيها .
لقد راعينا و في قيامنا بتأليف هذا الكتاب بالتأكيد على ضرورة وضع هذا الشرك الاستثمارى في الحسبان . وأكدنا كذلك على مزايا اتباع سياسة قائمة على الاحتفاظ بمحفظة مالية بسيطة – مثل شراء سندات ممتازة إلى جانب قائمة منوعة من الأسهم العادية البارزة – والتى يستطيع أي مستثمر أن ينفذها بقليل من المساعدة من جانب الخبراء . أن المغامرة بعيداً عن هذه الظروف الاًمنة والصحيحة تكون محفوفة بالمخاطر والصعوبات , خاصة فيما يتعلق بالميول والأمزجة . وقبل أن يحاول المستثمر القيام بهذه المحاولة عليه أولاً أن يثق بنفسه وبمستشاريه , خاصة فيما يتعلق بما إذا كان لديهم مفهوم واضح للفرق بين الاستثمار والمضاربة , و بين سعر السوق والقيمة الأساسية .
إن اتباع أسلوب استثمارى قوى وثابت يعتمد على مبدأ هامش الوقاية سوف يؤتى ثماراً طيبة بالتأكيد , و لكن اتخاذ قرار بمحاولة نيل هذه المكافاَت من خلال اتباع أسلوب جرىء بعيداً عن الثمار الأكيدة لأسلوب الاستثمار الدفاعى يتطلب وقفة مع النفس أولاً .
فكرة نهائية أخرى وهى أنه عندما دخل مؤلفنا في شبابه " وول ستريت " في يونيو عام 1914 لم يكن لدى أحد أدنى فكرة عما قد يحمله معه نصف القرن القادم  (  بل لم يكن لدى سوق الأسهم أدنى فكرة عن أن حرباً عالمية توشك أن تندلع خلال شهرين سوف تؤدى إلى إغلاق سوق بورصة نيويورك  )  . والاَن في عام 1972 نجد أنفسنا أكثر الدول ثراءً وقوة , ولكننا وقعنا فريسة لجميع أنواع المشاكل الضخمة وأصبحنا نتوجس خيفة من المستقبل أكثر من شعورنا بالثقة حياله .
ولكن إذا قصرنا اهتمامنا على تجربة الاستثمار  الأمريكية  يمكننا التماس بعض الراحة من السبعة الخمسين عاماً الماضية . فخلال تقلباتها وبقدر ما كانت شديدة الاضطراب وغير متوقعة و لكن تظل هناك حقيقة واحدة وهى أن مبادىء الاستثمار السليمة والصحيح تحقق نتائج جيدة , لذلك ينبغى علينا مواصلة افتراض أنها سوف تستثمر في أن تفعل ذلك .
ملحوظة للقارىء : أن هذا الكتاب ليس عن السياسة المالية الاملة التى يجب أن يتبعها المدخرون والمستثمرون , و إنما هو يتناول بالحديث ذلك الجزء من أموالهم التى لديهم استعداداً لاستثمارها في الأوراق المالية القابلة للتداول  (  أو التى يمكن استدعاؤها  )  أي في السندات والأسهم . لذلك لا نتحدث عن أوعية الاستثمار الأخرى مثل المدخرات والودائع والحسابات المتعلقة بالادخار و القروض والتأمين على الحياة وسندات الدفعات السنوية مدى الحياة والرهن العقارى وحقوق المساهمين . و على القارىء أن يضع في الحسبان أنه عندما يجد كلمة " الاَن " أو ما يعادلها في النص فهذا يشير إلى أواخر عام 1971 وأوائل عام 1972 .



تعليق على المقدمة


 "  إذا أقمت قلاعك في الهواء فلا ينبغى أن يذهب مجهودك سدى , فهذا هو مكانها الطبيعى , وكل ما عليك الاًن هو أن ترسى قواعدها " .

- والدن هنى ديفيد ثورو

عليك ملاحظة أن " جراهام " أعلن من البداية أن هذا الكتاب لن يخبرك كيف تتسيد السوق , وليس هناك كتاب صادق يستطيع أن يفعل ذلك . و لكن بدلاً من ذلك سوف يعلمك الكتاب ثلاثة دروس قوية :

* كيف يمكنك الحد من فرص تكبد خسائر فادحة .
* كيف يمكنك تعظيم فرص تحقيقك لارباح هائلة .
* كيف يمكنك إحكام سيطرتك على التصرفات التى قد تتسب في الإخفاق وتحول دون استفادة المستثمرين من قدراتهم بصورة كاملة .

أثناء سنوات الازدهار التى شهدتها أواخر التسعينات عندما كان يبدو أن قيمة أسهم  التكنولوجيا تتضاعف باستمرار كل يوم , كان يبدو أن مفهوم خسارتك لأموالك أمراً سخيفاً . و لكن بحلول نهاية عام 2002 فقد العديد من أسهم  شركات الإنترنت والاتصالات 95 % من قيمتها أو   أكثر . و ما أن تفقد 95 % من أموالك يصبح لزاماً عليك أن تحقق ربحاً يصل إلى 1.900 % فقط لكى تعود إلى النقطة التى بدأت منها   . أن تحمل مخاطرة مقاء قد يجعلك تسقط في هوة يستحيل عليك الخروج منها . لهذا يؤكد " جراهام " دائماً ضرورة تجنب الخسائر – ليس فقط في الفصول السادس , و الرابع عشر , والعشرين و لكن في الكتاب بأسره .
و مهما كنت حذراً فسوف ينخض سعر استثماراتك من أن لاَخر و في الوقت الذي لا يستطيع أحد القضاء فيه على تلك المخاطرة , سوف يخبرك " جراهام " كيف تتعامل معها – و كيف تسيطر على مخاوفك .

هل انت مستثمر ذكى ؟


والاَن دعنا نجب عن سؤال شديد الأهمية إلا و هو : ما الذي يعنيه " جراهام " على وجه التحديد بالمستثمر " الذكى " ؟ في الطبعة الأولى من هذا الكتاب يعرف جراهام هذا المصطلح بأنه ذلك النوع من الذكاء الذي ليس له علاقة بقياس حاصل الذكاء , و إنما يعنى ببساطة التحلى بالصبر والرغبة في التعلم ؛ وعليك أيضاً كبح جماح عواطفك والتفكير بنفسك . لذلك فإن النوع من الذكاء على حد قول " جراهام " صفة من صفات الشخصية وليس العقل "    .
وهناك ما يثبت أن معدلات الذكاء المرتفعة والتعليم العالى لا يكفيان لصنع مستثمر ذكى .. ففى عام 1998 خسر صندوق " اونج تيرم كابيتال مانجمنت ال . بى " و هو صندوق حماية كانت تديره كتيبة من علماء الرياضة والكمبيوتر واثنان نت رجال الإقتصاد الفائزين بجائزة نوبل , و ما يزيد عن 2 مليار دولاراً في غضون أسابيع فقط بسبب رهان على أن سوق المستندات سوف يعود " لطبيعته " . و لكن سوق المستندات ظل على خلاف طبيعته , بل وازدادت تحركاته شذوذاً , مما  اضطر ذلك الصندوق إلى اقتراض قد هائل من الأموال وكاد انهياره يؤدى إلى تقويض دعائم النظام المالى بأسره     .
وفى عام 1720 كان " اسحاق نيوتن " يمتلك أسهماً في شركة " ساوث سى " أكثر الأسهم الإنجليزية رواجاً . و لكن لشعوره بأنحركة السوق قد بدأت تخرج على السيطرة وصف هذا الفيزيائى العظيم ذلك الموقف بقوله : " إننى أستطيع حساب حركة الأجرام السماوية و لكن لا يمكننى حساب جنون البشر " . لذلك قام " نيوتن " بالتخلص من أسهمه وحصل على ربح يصل إلى 100 % بإجمالى 7000 جنيه استرلينى . و لكن بعدها بعدة أشهر و بعد أن جرفه حماس السوق في تياره عاد " نيوتن " لامتلاك أسهم  الشركة , و لكن بسعر أعلى مما جعله يخسر 20 ألف جنيه استرلينى  (  أي ما يعادل 3 ملايين دولاراً بأموال العصر الحالى  )  . وطوال حياته منع نيوتن " أي شخص يتلفظ باسم " ساوث سى " في وجوده .
إن " اسحاق نيوتن " من أكثر الأفراد ذكاء طبقاً لتعريفنا للذكاء . و لكن طبقاً لمعايير " جراهام " فإن " نيوتن " لم يكن مستثمراً ذكياً . فعندما سمح لضجيج العامة بأنيعلو فوق صوت حكمته , فإن أعظم  علماء العالم تصرف كالأحمق .
باختصار , إذا كنت قد اخفقت في الاستثمار حتى الاَن فالسبب هو أنك غبى , ولكنك في ذلك شأنك شأن " نيوتن " لم تكتسب الانضباط العاطفى الذي يتطلبه الاستثمار الناجح . و في الفصل الثامن يضف " جراهام " كيف تعزز ذكاءك من خلال كبح جماح عواطفك ورفض الانقياد لحركة السوق التى لا يحكمها عقل و لا منطف . وعندئذ يمكنك تعلم درسه بأنكونك مستثمراً ذكياً أمر يتعلق " بالشخصي " أكثر ما يتعلق بالعقل .




سلسلة من الكواث

والاَن دعونا نلق نظرة على بعض التطوات المالية الرئيسية خلال السنوات القليلة الماضية :

1.  أسوأ إنهيار لسوق البورصة منذ الكساد العظيم , و ذلك عند فقدان الأسهم  الأمريكية   لـ   50.2 % من قيمتها أو ما يعادل 7.4 تريليون دولاراً – ما بين مارس عام 2000 وأكتوبر      عام 2002 .
2. انخفاض هائل في أسعار أسهم  الشركات الرائجة في التسعينات بما في ذلك أسهم  شركات مثل شركة " أمريكا اون لاين " و " سيسكو " و " جاى دى إس يونى فيز ولوسنت " ,  " وكاالكوم " – فضلاً عن التدمير التام لمئات من أسهم  الإنترنت .
3. توجيه الاتهام بالقيام بعمليات الاحتيال المالية الضخمة لكبرى الشركات  الأمريكية  أكثرها         احتراماً , و من بينها شركة " إنزون "  "  وتاكيو "  "  وزيروكس " .
4. إشهار إفلاس شركات كانت لها شهرتها مثل شركة " كونسيكو "  "  وجلوبل كروسينج "  " وورلد كوم " .
5. ادعاءات بقيام شركات المحاسبة بتزوير الدفاتر , بل وتدمير السجلات لمساعدة عملائها على تضليل عامة المستثمرين .
6. توجيه الاتهامات بقيام كبار المسؤلين التنقيذين بالشركات البارزة باختلاس مئات الملايين من الدولارات لمصلحتهم الشخصية .
7. وجود أدلة على أن المحللين الماليين في " وول ستريت " قاموا بالثناء على الأسهم علانية ,  ولكنهم اعترفوا سراً أنها لا تساوى شيئاً .
8. المبالغة في تقدير قيمة سوق الأسهم حتى بعد انهيارها المروع بالاعتماد على المقاييس  التاريخية , مما يوحى للعديد من الخبراء بأنالأسهم ستشهد مزيداً من التدهور .
9. تدهور لا هوادة فيه في أسعار الفائدة تركت المستثمرين بدون أي بديل جذاب اَخر للأسهم .
10. وجود مناخ استثمارى تهيمن عليه مخاطر لا يمكن التنبؤ بها مثل الإرهاب العالمى                والحرب في الشرق الأوسط .

كان من الممكن أن يتجنب المستثمرون تعلموا مبادىء " جراهام " والتزموا بها قدراً كبيراً من الأضرار التى وقعت  (  و هذا أمر حدث بالفعل !  )  . و على حد قول " جراهام : " بقدر ما يلعب الحماس دوراً مهماً في تحقيق الإنجازات العظيمة في أماكن أخرى , فإنه في " وول ستريت " قد يوردك موارد التهلكة . " و من خلال السماح لأنفسهم بأنينجرفوا مع التيار , فيما يتعلق بأسهم الإنترنت وأسهم " النمو " الضخمة وفيما يتعلق بالأسهم ككل – ارتكب العديد من الأشخاص نفس الأخطاء الساذجة مثل التى ارتكبها  " اسحاق نيوتن " . فقد سمحوا لاَراء المستثمرين الاَخرين بالتأثير في اَرائهم الشخصية . ونسوا تحذير " جراهام " من أن " الخسائر الفادحة تقع دائماً عندما ينسى المشترى أن يسأل " كم الثمن ؟ " والأشد إيلاماً من ذلك فقدانهم للسيطرة على أنفسهم في الوقت الذي يكونون فيه في أمس الحاجة إليها . أن هؤلاء الأشخاص يثبتون صحة تأكيد " جراهام " على أن " المشكلة الرئيسية للمستثمر – بل وألد أعدائه – هى نفسه .

الصناعة " الرابحة " التى خسرت
لقد أخذت الحماسة العديد من هؤلاء الأفراد فيما يتعلق بأسهم التكنولوجيا والإنترنت , وصدقوا ما قيل عن أن هذه الصناعة سوف تفوق في نموها أي صناعة أخرى لسنوات قادمة ما لم يستمر ذلك للأبد :
 في منتصف عام 1999 – و بعد تحقيق عوائد تصل إلى 117.3 % فقط خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام يتنبأ مدير صندوق مونيمنت إنترنت فاند " ألكسندر تشونج " بأنصندوقه سوف يحقق أرباحاً تبلغ 50 % خلال السنوات الثلاث أو الخمس القادمة , وبمتوسط سنوى يصل إلى 35 % " خلال العشرين عاماً القادمة " * .

" كونستانز لويزوس " سؤال وجواب : " ألكس تشيونج " كان أعلى عائد سنوى تحقق طوال عشرين عاماً في تاريخ الصناديق المشتركة هو 25.8 % وحققه رجل المال الأسطورى " بيتر لينش " مدير صندوق " فيدلتى ماجلان " خلال العقدين اللذين انتهيا في 31 ديسمبر عام  1994 . لقد حول أداء " لينش " مبلغ 10 اًلاف دولاراً إلى 982000 في غضون عشرين عاماً . أما " تشيونج " فقد كان يتنبأ بأنيحول 10 اَلاف دولاراً إلى أكثر من 4 ملايين دولاراً خلال نفس الفترة الزمنية . وبدلاً من اعتبار تشيونج متفائل بصورة مبالغ فيها و على نحو سخيف , فإن المستثمرين كانوا يلقون بأموالهم إليه . وتدفق ما يزيد على 100 كليون دولاراً على صندوقه خلال العام القادم . أن استثماراً تقدر قيمته بـ 10 اًلاف دولاراً في صندوق " مونمنت إنترنت فاند " في مايو 1999 كانت ستتقلص إلى ألفى دولاراً بحلول نهاية عام 2002 .  (  لم يعد لصنوق " مونيمنت " أي وجود بعد الاَن في شكله الأصلى , وأصبح يعرف بـ " أوربيتكس أميرجينج تكنولوجى فاند "  )  .

* و بعد أن ارتفعت أسهم  صندوق " أمريندو للتكنولوجيا " ارتفاعاً هائلاً ينسبة 284.9 % , سخر مدير الصندوق " ألبرتو فيلار " من أي أحد يجروء على التشكيك في كون الانترنت اَلة لا تتوقف عن إدرار المال وقال : " إذا كنتم لا تعملون في هذا المجال , فسيكون أداؤكم سيئاً . ستكونون كالذين يمتطون الحصان أو يركبون العربة التى يجرها الحصان , بينما سأكون كمن يستقل سيارة من نوع  (  بورش  )  "   .
* في فبراير عام 2000 أعلن مدير صندوق الحماية " جميس جاى كرامر " أن أسهم  الشركات التى لها عاقة بالنترنت هى الأسهم الوحيدة التى تستحق أن يمتلكها المرء " فتلك " هى الأسهم الرابحة في العالم الجديد " . و على حد قوله فهى الأسهم الوحيدة التى تستمر قيمتها في الإرتفاع في ظل جميع الظروف الجيد منها والسيىء على حد سواء " . بل لقد وجه الانتقادات إلى جراهام نفسه قائلاً : " عليك التخلص من جميع المبادىء والصيغ والنصوص التى ظهرت قبل الويب , إذا استخدمنا ما علمنا إياه " جراهام " و " دود " , فما كان ليظل في حوزتنا مليم واحد لنديره "    .

إن جميع الخبراء المزعومين تجاهلوا تحذيرات " جراهام " حين قال : " أن الاحتمالات الواضحة لتحقيق النمو المادى لا تترجمم إلى أرباح واضحة للمستثمرين , و في الوقت الذي يكون من السهل فيه التنبؤ بالصناعة التى سوف تحقق نمواً سؤيعاً فإن هذه التنبؤات لن تكون لها أي قيمة حقيقية إذا ما توقع غالبية المستثمرين الاَخرين نفس الشىء . وعندما يحين الوقت الذي يقرر فيه الجميع أنه من " الواضح " أن صناعة ما هى الأفضل للاستثمار ؛ حيث تكون أسعار أسهمها قد ارتفعت ارتفاعاً شديداً لدرجة أن عوائدها المستقبلية لا يكون أمامها أي سبيل اَخر سوى الانخفاض .
والاَن على الأقل لا يمتلك أحد الشجاعة للادعاء بأنالتكنولوجيا سوف تظل أعظم  الصناعات نمواً في العالم , و لكن يتحتم عليك أن تتذكر ما يلى : أن الأشخاص الذين يدعون الاَن أن الصناعة " الرابحة " سوف تكون الرعاية الصحية أو الطاقة أو العقارات أو الذهب , فليس من المحتمل أ يكونوا على صواب بقدر ما كان دعاة التكنولوجيا المتقدمة كما اتضح فيما بعد .

الجانب المشرق
إذا كان لا يوجد أي سعر يبدو مرتفعاً للغاية بالنسبة للأسهم في التسعينات , ففى عام 2003 وصلنا إلى النقطة التى لم يعد فيها أي سعر منخفضاً بما يكفى . فلقد تأرجح البندول , كما كان يعلم " جراهام " أنه سوف يفعل دائماً , من الابتهاج المباغ فيه بصورة غير منطقية إلى التشاؤم الذي لا مبرر له . و في عام 2002 سحب المستثمرون 27 مليار دولاراً من صناديق الاستثمار المشتركة , و لقد توصلت الدراسة التى أجرتها " رابطة صناعة الأوراق المالية . " إلى أن مستثمراً واحداً من بين عشرة مستثمرين قد خفضوا عدد أسهمهم بنسبة 25 % على الأقل . أن نفس الأسخاص الذين كانوا شغوفين بشراء الأسهم في أواخر التسعينات – عندما كان سعرها اَخذاً في الإرتفاع وبالتالى أصبحت باهظة 0 قاموا ببيع الأسهم عندما انخفض سعرها وأصبحت أرخص ثمناً .
وكما يوضح " جراهام " بمنتهى العبقرية في الفصل الثامن , أن هذه العملية على النقيض من ذلك , فالمستثمر الذكى يدرك أن الأسهم تصبح أشد خطورة وليس العكس عندما ترتفع أسعارها وأقل خطورة – وليس أكثر من ذلك – عندما تنخفض الأسعار . أن المستثمر الذكى يخشى من صعود سوق المضاربة لأنها تجعل الأسهم أغلى من أن تشترى . والعكس صحيح  (  طالما تحتفظ بما يكفى من النقد في متناول يديك لتلبية احتياجاتك من النفقات  )  . وعليك أن تحتفى بهبوط سوق المضاربة طالما أنها تتعيد الأسهم مرة أخرى للبيع   .



الفصل الأول
الاستثمار في مقابل المضاربة :
النتائج التى يتوقعها المستثمر الذكى

يتناول هذا الفصل وجهات النظر التى سوف نستعرضها حتى نهاية هذا الكتاب . لذلك نود , خاصة في مستهل حديثنا , أن نوضح مفهومنا لسياسة إدارة المحافظ الملية التى تتلائم مع المستثمر الفرد غير المحترف .

الاستثمار في مقابل المضاربة :

ولكن ما الذي نعنيه بلفظ " مستثمر " ؟ وجوابنا عم هذا السؤال أنه المصطلح الذي سوف نستخدمه خلال فصول الكتاب للإشارة إلى نقيض مصطلح " المضارب " . لقد حاولنا في كتابنا " , و الذي يعود تاريجه إلى عام 1934 , وضع صياغة دقيقة لتوضيح Security Analysis "
الاختلاف القائم بين المصطلحين , و هو كما يلى : " الاستثمار هو العملية التى إذا نمت بناء على التحليلات الدقيقة فلن تضمن الحفاظ على أصل المبلغ المستثمر فحسب , بل وستدر عائداً كافياً أيضاً . و ما عدا ذلك من عمليات لا تتوافر فيها هذه الشروط فتعد مضاربة " .
 و على الرغم من أننا تشبثنا بهذا التعريف طوال الثمانية والثلاثين عاماً التى أعقبت ذلك   التاريخ  , إلا أنه ينبغى ملاحظة التغيرات الجذرية التى طرأت على استخدام مصطلح           " المستثمر " في غضون هذه الفترة . فبعد الانهيار الكبير الذي شهده السوق في الفترة ما بين عامى  (  1929 و 1932  )  شاع الانظر إلى كل الأسهم العادية علىأنها نوع من المضاربة بطبيعتها .  (  و لقد أشار أحد الخبراء النابهين صراحة إلى أن السمدات وحدها هى التى تستحق الشراء بغية استثمارها  )  . لذلك تحتم علينا الدفاع عن التعريف الذي وضعناه ضد الادعاء بأنه أدى إلى توسيع نطاق مفهوم الاستثمار .
والاَن سوف ينصب اهتمامنا على الجانب المناقض . فلابد أن ننأى بقرائنا عن اللغط السائد بين الناس ,والذى يطلق اسم المستثمر على أي شخص وكل شخص يتعامل في سوق الأسهم . و في النسخة الأخيرة أوردنا العنوان التالى لمقالة نشرت في الصفحة الأولى بصحيفتنا المالية   الرائدة , بتاريخ يونيو 1962 :

 "  صغار المستثمرين يضاربون على الهبوط ويبيعون
الكلبيات الصغيرة على المكشوف  "

وفى أكتوبر عام 1970 , نشرت الصحيفة ذاتها افتتاحية لرئيس التحرير انتقدت فيها ما أسمتهم بـ " المستثمرين المتهورين " والذين كانوا يهرولون اًنذاك نحو شراء الأسهم .
إن هاتين المقالتين سالفتى الذكر توضحان مدى الاضطراب والخلط الذي ظل سائداً لسنوات عديدة بين مفاهيم الاستثمار والمضاربة . لذلك علينا التفكير في تعريف الاستثمار الذي اقترحناه اَنفاً , ومقارنته بعملية بيع عدد ضئيل من الأسهم يقدم عليها شخص من العامة لا يتمتع بالخبرة اللازمة للقيام بذلك , بل و لا يمتلك حتى ما أقدم على بيعه , وكل مايتسلح به هو قناعة شخصية بأنفي إمكانه إعادة شراء ما باعه لاحقاً بثمن بخس للغاية  (  ونذكر هنا بالمناسبة أنه عندما نشرت مقالة عام 1962 , كان السوق قد شهد بالفعل فترة هبوط هائل ويتعد للاتجاه نحو صعود أضخم حجماً , لهذا كان ذلك أسوأ توقيت يمكن اختياره لبيع الأسهم على المكشوف  )  وبصفة عامة , فإن عبارة " المستثمر المتهور " المذكورة بعاليه تنطوى على تناقض مثير للضحك , مثل وصفك لشخص ما بأنه " شحيح مبذر " , و هو سوء استخدام للغة لا يُحدث أي ضرر بالغ . لقد استخدمت الصحيفة كلمة " مستثمر " في الحالتين السابقتين لأنه في عُرف اللغة السهلة الميسورة التى يستخدمها " وول ستريت " بعد كل من باع أو اشترى أوراقاً مالية مستثمراً , بغض النظر عما اشتراه أو غرضه أو سعره , وسواء كان ذلك نقداً أم عن طريق الشراء على المكشوف . لذلك عليك مقارنة ذلك بوقف العامة من الأسهم العادية في عام 1948 عندما أعرب 90 % ممن شملهم استطلاع الرأى عن معارضتهم لشراء الأسهم العادية إذ برر نصفهم موقفه هذا بقوله : " الأمر ليس اَمناً , أنها مقامرة  "

 أما النصف الاَخر فقد قال : " أن هذده الأسهم غير مألوفه لديه "   . وإنه لأمر يدعو للسخرية حقاً  (  و إن كان لا يبعث على الدهشة  )  أن يُنظر إلى شراء الأسهم العادية , على اختلاف أنواعها , على أنه ضرب من ضروب المضاربة الشديدة أو أنه عمل ينطوى على قدر هائل من المخاطرة , في الوقت الذي كانت تباع فيه هذه الأسهم بأسعار مغرية للغاية وتتجه فيه نحو تحقيق أعلى معدل إرتفاع تشهده في تاريخها ؛ و على النقيض مما كانوا يعتقدون , فإن حقيقة تقدم الأسهم العادية نحو مستويات خطيرة بالفعل , على ضوء التجارب السابقة , قد حولت تلك الأسهم إلى " استثمارات " وحولت العامة مشترى الأسهم إلى " مستثمرين " .
لقد ظل الاختلاف القائم بين الاستثمار والمضاربة في الأسهم العادية أمراً مفيداً للغاية ويدعو غيابه إلى الشعور بالقلق . و لقد أشرنا في أكثر من مناسبة إلى أرض الوجود والتأكيد عليه في كل معاملة تجريها مع العامة . وإلا سينحى بالملائمة في يوم من الأيام على البورصات لما سيقع من خسائر مضاربة فادحة , والتى لم يتم تحذير من سيتكبدونها بشكل كاف من مغبة حدوثها . و مما يدعو إلى السخرية مجدداً , أن سبب الإحراج الذي تعرضت له بعض شركات البورصة , إنما يرجع إلى إدراج عمليات المضاربة في الأسهم العادية ضمن صناديق استثمارها الرأسمالية . ونحن على ثقة من أن قارىء هذا الكاتب سوف تتكون لديه فكرة واضحة عن المخاطر التى تعد جزءاً لا يتجزأ من التزامات الأسهم العادية , و لا تنفصل عما تتيحه من ربح , لذلك ينبغى وضع هذين الشقين و في إجراء المستثمر لحساباته .
ويشير ما قلناه إلى احتمال تلاشى سياسة الاستثمار البحتة , والقائمة على حيازة عدد ضئيل من الأسهم العادية , بهدف التريث إلى أن تصيح الفرصة سانحة لشرائها بسعر لا ينطوى على أي مخاطرة من مخاطر السوق أو أي خسائر تسمية سعر تكون فادحة أو مزعجة . ولابد للمستثمر أن يدرك وجود عنصر من عناصر المضاربة فيما بحوزته من أسهم  عادية , لذلك فمهمته هى إحكام السيطرة على هذا العنصر وإبقائه في أضيق الحدود والاستعداد مالياً ونفسياً لأى نتائج عكسية قد تطول مدتها أو تقصر .
ينبغى إضافة فقرة أو فقرتين للحديث عن المضاربة بالأسهم في هذا المقام , بعيداً عن عنصر المضاربة المتأصل الاَن في أغلب الأسهم العادية . أن عمليات المضاربة المباشرة لا تعد غير قانونية أو غير أخلاقية , أو تعود على المرء بمنافع مالية ضخمة  (  كما يظن معظم الناس  )  . بل والأكثر من هذا أن بعض عمليات المضاربة تعد حتمية و لا مفر منها . ولابد من أن يتحمل شخص ما هذه المخاطر   . فهناك مضاربة ذكية مثلما هناك استثمار ذكى , و لكن هناك سبلاً عديدة قد تفتقر فيها المضاربة للذكاء , و إليك بعضاً من هذه السبل :
المضاربة عندما تظن أنك مستثمر ؛ المضاربة بجدية بدلاً من المضاربة كنوع من أنواع التسلية عندما تفتقر للمعرفة والمهارة اللازمتين لذلك ؛ والمضاربة بمال لا قبل لك بخسارته .
ومن وجهة نظرنا المتحفظة يجب أن يدرك غير المحترف الذي يبيع أو يشترى على الكشوف   أنه يضارب أيضا على المكشوف . و من واجب السمسار الذي يتعامل معه أن يقدم له المشورة . وكل من يقدم على شراء ما يطلق عليه " إصدارات أسهم  رائجة التداول " أو أي مما شابهها , فإنه أما أن يكون مضارباً أو مقامراً . أن المضاربة مغرية على الدوام , وقد تكون مصدرا للمتعة بالنسبة لك إذا ما كنت تمتلك زمام الأمور . فإن شئت تجربة حظك معها فخصص لها قسماً من رأس مالك – وكلما قل المبلغ مان خيراً لك – وضعه في حساب منفصل مخصص لهذا الغرض . و لا تقم بإضافة مزيد من الأموال لهذا الحساب لمجرد أن السوق قد اتجه إلى الإرتفاع وحان وقت جنى الثمار  (  لأن هذا هو وقت سحب أموالك من حساب المضاربة  )  . وإياك وخلط عمليات المضاربة وعمليات الاستثمار في أن واحد . و لا في أي مكان اَخرداخل عقلك .


النتائج التى يتوقعها المستثمر المتحفظ :
لقد حددنا بالفعل معنى المستثمر المتحفظ على أنه المستثمر الذي يهتم بصفة أساسية بالتمتع بالأمان وتلافى المنغصات . و لكن بصفة عامة , ما الدرب الذي عليه أن يسلكه ؟ و ما العائد الذي يجب أن يتوقع الحصول عليه " في ظل هذه الظروف العادية " – هذا و إن وجدت الظروف العادية ؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة , علينا الرجوع أولاً لما سبق وتحدثنا عنه في هذا الصدد منذ سبع سنوات , ثم رصد التغيرات الكبرى التى طرأت منذ ذلك الحين على العوامل الأساسية التى تحكم العائد المتوقع للمستثمر , وأخيراً نتعرض لما يتحتم عليه القيام به و ما له أن ينتظره في ظل هذه الظروف الراهنة  (  أي بداية عام 1972  )  .

1. ما سبق وذكرناه منذ ست سنوات خلت
لقد أوصينا بضرورة  قيام المستثمر بتقسيم ما بحوزته من أوراق مالية ما بين سندات ممتازة أسهم  عادية بارزة . على إلا تقل الحصة المخصصة للسندات عن 25 % و لا تزيد عن       75 % , والعكس صحيح بالنسبة لحصة الأسهم ؛ أو الأيسر من ذلك هو تقسيم الحافظة مناصفة بينهما , مع إجراء التعديلات اللازمة لاستعادة التوازن بينهما عندما تؤدى تقلبات السوق إلى الإخلال بذلك التوازن بنسبة 5 % . كما في وسع المستثمر اللجوؤ لخيار اَخر يتمثل في تقليل حصة الأسهم العادية إلى 25 % " إذا شعر بأنالسوق في حالة إرتفاع شديدة الخطورة " , والعكس صحيح , بحيث يزيد حصتها إلى الحد الأقصى الذي يصل إلى نسبة 75 % " إذا شعر بأنتدهور أسعار الأسهم يزيد من الطلب عليها " .
لقد كان في وسع المستثمر في عام 1965 الحصول على ريع من السندات الممتازة الخاضعة للضريبة يصل إلى 4.5 % على السندات الممتازة الخاضعة للضريبة و 3.25 % على السندات الجيدة الغير خاضعة للضريبة . هذا بينما بلغت توزيعات أرباح الأسهم البارزة  (  عندما بلغ مؤشر داو جونز للشركات الصناعية 892 نقطة  )  3.2 % فقط . لذلك فإن هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق إنما تدعو إلى توخى الحذر . و لقد سبق وأشرنا إلى أنه " عندما يصل السوق إلى معدلاته العادية " يستطيع المستثمر تحقيق ربح مبدئى يتراوح ما بين 3.5 %       و 4.5 % من الأسهم التى يقوم بشرائها , تضاف إليها الزيادة المطردة في القيمة الأساسية      (  و في ظل " مستويات السعر العادية بالسوق " لقائمة الأسهم المختارة التى تصل إلى نفس المقدار تقريباً , مما يحقق له عوائد سريعة من أرباح الأسهم وارتفاع القيمة مجتمعة تبلغ نسبتها 7.5 % تقريباً . أن تقسيم الحافظة المالية مُناصفة بين الأسهم والسندات يحقق عوائد تصل نسبتها إلى 6 % قبل احتساب ضرائب الدخل . وتجدر الإشارة هنا إلى أن حصة الأسهم كفيلة بتوفير قدر من الحماية ضد خسارة القوة الشرائية التى تتسبب فيها معدلات التضخم المرتفعة . من الجدير بالذكر أن التقدير الحسابى المذكور بعاليه أشار إلى توقع معدل تقدم متدن في سوق البورصة عما تحقق بالفعل في الفترة ما بين عام 1949 و عام 1964 . و لكن كان متوسط هذا المعدل أفضل من المتوسط الذي حققته الأسهم المدرجة بالبورصة كل و الذي بلغ 10 % , وهكذا أضحى بصفة عامة نوعاً من أنواع الحقائق المؤكدة على أن النتائج المرضية المماثلة الأخرى يمكن الاعتماد عليها في المستقبل . هناك عدد ضئيل من الأفراد لديه الاستعداد أن يأخذوا على محمل الجد إمكانية أن تكون معدلات التقدم المرتفعة في الماضى إنما تعنى  " الإرتفاع الشديد في مستويات أسعار  الأسهم في الوقت الحالى " , وبالتالى " فإن النتائج الرائعة التى تحققت منذ عام 1949 لا تنبىء بالخير في المستقبل " .
2. ما طرأ على الأسواق منذ عام 1964
تمثل التغيير الرئيسلا الذي طرأ على الأسواق منذ عام 1964 في إرتفاع معدلات فوائد السندات الممتازة ارتفاعاً كبيراً اَنذاك إلى 7.5 % , أو أكثر بالمقارنة بنسبة 4.5 % في عام 1964 . هذا بينما أحرز عائد أرباح مؤشر داو جونز تقدماً مرضياً حتى و في تدهور أوضاع السوق ما بين عامى  (  1969 و 1970  )  و لكن هبطت قيمته ونحن نسطر هذه الكلمات  (  مع بلوغ مؤشر " داو جونز " إلى 900 نقطة  )  إلى أقل من 3.5 % بالمقارنة بـ 3.2 % بحلول نهاية عام 1964 . وقد أدى تقلب الأسعار إلى حدوث تدهور شديد في سوق السندات متوسطة الأجل       (  التى امتدت إلى فترة تصل إلى عشرين عاماً  )  بلغ 38 % طوال هذه الفترة .
ومم اهو جدير بالملاحظة أن هذه التطورات تتسم بالتناقض . ففى عام 1964 ناقشنا باستفاضة إمكانية أت تكون أسعار الأسهم شديدة الإرتفاع مما يعرضها في نهاية المطاف إلى هبوط قيمتها هبوطاً حاداً , لكننا لم نأخذ في حسابتنا إمكانية حدوث الأمر نفسه للسندات الممتازة  (  شأننا في ذلك شأن جميع من نعرفهم  )  . وقد حذرنا  (  في الفصل الرابع  )  من " أن السندات طويلة الأجل قد تختلف اختلافاً كبيراً في أسعارها رداً على حدوث تغييرات في أسعار الفائدة " . و لكن على ضوء ما جرى منذ ذلك الحين , نرى أنه – على الرغم مما أوردناه من أمثلة على ذلك – لم يتم التشديد عليه بما يكفى . ففى حقيقة الأمر إذا كان المستثمر قد وضع مبلغاًمن المال في أسهم      " داو جونز " بسعر إغلاقه الذي بلغ 874 نقطة في عام 1964 , فإنه يحقق مقداراً طفيفاً من الربح بنهاية عام 1970 ؛ بل الأكثر من ذلك أنه حتى مع هبوط المؤشر إلى  (  631  )  نقطة في عام 1970 . فإن الخسارة المؤكدة التى تلحق به من جراء ذلك تكون أقل من تلك التى لحقت بالاستثمار في السندات الجيدة طويلة الأجل . و من ناحية أخرى أو أن المستثمر اقتصر في استثماراته على السندات الإدخارية  الأمريكية  , إصدارات الشركات المتوسكة الأجل , أو حسابات الدخار , لما تكبد خسارة في القيمة السوقية لأصل استثماراته خلال هذه الفترة , ولحصل على عوائد تفوق ما تتيحه الأسهم الجيدة . و لقد اتضح قيما بعد لأن معدل " النقد الحقيقى " يمثل استثماراً أفضل في عام 1964 عن الاستثمار في الأسهم العادية – رغم وجود التضخم الذي كان  (  من الناحية النظرية  )  ليفضل الأسهم على النقد . وكان السبب في تدهور القيمة الأساسية المحددة للستدات الجيدة طويلة الأجل يرجع إلى ما شهده سوق المال من تطوات و ذلك جانب غامض لا يكون له في العادة أثر يذكر على سياسة الاستثمار الخاصة بأفراد .
كانت هذه إحدى التجارب التى لا تعد و لا تحصى والتى توضح أن محاولة التنبؤ بمستقبل أسعار الأوراق المالية ضرب من المستحيل   . فلقد كانت تقلبات السندات في أغلب حالاتها أدنى من تقلبات أسعار الأسهم , وظل في وسع المستثمرين شراء سندات جيدة بغض النظر عن مواعيد استحقاقها , ودون أن يساورهم القلق حيل تقلب قيمتها السوقية . وقد كانت هناك استثناءات قليلة لهذه القاعدة جسدت الفترة التى تلت عام 1964 أحدها . ولسوف نتناول تقلبات أسعار السندات باستفاضة و لكن في فصل لاحق .
3. السياسات والتوقعات التى كانت سائدة في أواخر عام 1971 وأوائل عام 1972
على مشارف عام 1971 كان في وسع المرء الحصول على سعر فائدة من سندات الشركات متوسطة الأجل الخاضعة للضريبة يصل إلى 8 % وسعر فائدة على الأوراق المالية التى تصدرها البلدية أو الولاية و لا تخضع للضريبة يصل إلى 5.7 % . و على صعيد الأوراق المالية الأقصر أجلاً كان في وسع المستثمر الحصول على عائد من الإصدارت الحكومية  الأمريكية  التى تُستحق في غضون خمس سنوات يصل إلى 6 % . و في الحالة الأخيرة لم يكن هناك داعٍ لأن يعبأ المشترى بأى خسارة محتملة في القيمة السوقية , لثقته في أنه سوف يسترد ما دفعه بالإضافة إلى 6 % في نهاية فترة الحيازة القصيرة نسبياً . بينما لم تزد عوائد مؤشر داو جونز في و في وصول مستوى أسعاره إلى 900 نقطو في عام 1971 على 3.5 % .
ولنفترض الاَن – كما سبق وافترضنا – أن القرار الأساسى هو كيفية تقسيم الأموال ما بين السندات الممتازة  (  أو غيرها مما يطلق عليه " المعادلات النقدية "  )









 و بين الأسهم الممتازة من فئة " داو جونز " . إذن ما الذي يتحتم على المستثمر أن يفعله في ظل الظروف الحالية , في حالة ما إذا لم يكن هناك سببٍ وجيه للتنبؤ بصعود السوق أو هبوطه لبعض الوقت في المستقبل ؟ دعونا نشر أولاً إلى أنه إذا لم يحدث تغيير عكسى خطير يستطيع المستثمر المتحفظ أن يعتمد على تحقيق عائد أرباح الأسهم يبلغ 3.5 % , وبالإضافة إلى متوسط زيادة سنوية في قيمة استثماراته الأساسية يبلغ 4 % , وتأتى هذه الزيادة في القيمة الأصلية , كما سوف نشرح لاحقاً , من قيام الشركات المختلفة بإعادة استثمار مبالغ سنوية مماثلة من الأرباح  التى لم يتم توزيعها . و عندئذ فإن إجمالي متوسط عائد أسهم  ذلك المستثمر قبل خصم الضريبة يصل إلى 7.5 % مثلاً , و هو عائد أقل مما يحصل عليه من فائدة السندات الممتازة إلى حد ما   . و في الوقت نفسه تصل قيمة متوسط عائد الأسهم بعد خصم الضريبة إلى 3.5 % . و هو تقريباً نفس العائد الذي يتم الحصول عليه حالياً من السندات متوسطة الأجل غير الخاضعة للضريبة .
إن هذه التوقعات ليست في صالح الأسهم بقدر ما هى في صالح السندات كما كانت في التحليل الذي أجريناه في عام 1964  (  أن هذه النتيجة لا مفر منها و ذلك إذا ما وضعنا في الاعتبار حقيقة أن عوائد السندات ارتفعت منذ عام 1964 إلى مستوى يفوق كثيراً عوائد الأسهم  )  . وينبغى إلا نغفل أبداً حقيقة تمتع فوائد السندات الممتازة وقيمة مدفوعاتها الأساسية بحماية أفضل من أرباح الأسهم وارتفاع قيمتها الأصلية , مما يجعلها أكثر أمناً وضماناً . وهكذا نجد أنفسنا مرغمين في نهاية 1971 على استخلاص النتيجة التى مفادها أنه من الأفضل الاستثمار في الأسهم . فإذا كان لنا التيقين من صحة هذه النتيجة , لنصحنا المصتثمر , الذي يميل إلى السياسة الاستثمارية الدفاعية , بأنيضع كل أمواله في السندات و لا يضع سنتاً واحداً في السندات العادية , حتى تتغير العلاقة بين عائداتهما بصورة جلية , وتميل في صالح الأسهم .

ولكن ليس في وسعنا التأكد من أن أداء السندات سوف يفوق أداء الأسهم على ضوء المجريات الحالية وحدها . فسرعان ما سيتبادر إلى ذهن القارىء عامل التضخم , و هو عامل جوهرى قد يميل بالكفة نحو الجهة الأخرى . لكننا سوف نشير في الفصل التالى – بناء على خبرتنا الطويلة مع التضخم في الولايات المتحدة طوال هذا القرن – إلى أنه لا يستحب تفضيل الأسهم على السندات في ظل وجود التضخم , خاصة على ضوء الاختلافات القائمة حالياً بين عوائد كل منهما . و مع ذلك يبقى احتمال واحد – و إن كنا نراه بعيداً – إلا و هو تزايد معدلات التضخم بصورة متسارعة مما قد يجعل من الأفضل لسبب ما أو لاَخر تفضيل الأسهم على السندات التى يستحق دفعها بمبلغ ثابت من الدولارات   . وهناك احتمال بديل اَخر أن كنا نسبعد حدوثه أيضاً- و هو تحقيق المشروعات  الأمريكية  لأرباح هائلة بدون حدوث إرتفاع في معدلات التضخم ؛ مما يبرر زيادة قيمة الأسهم العادية في غضون السنوات القليلة القادمة زيادة كبيرة . وأخيراً هناك احتمال يبدو مألوفاً إلى حد كبير , و هو أننا سوف نشهد ارتفاعاً كبيراً في مستوى المضاربة في سوق الأسهم دون أن يكون هناك مبرر حقيقى لذلك في القيمة الأساسية لهذه الأسهم . وقد يتسبب أي من هذه الأسباب المذكورة , أو غيرها مما لم يتبادر إلى أذهاننا , في شعور المستثمر بالندم لأنه ركز على استثمار أمواله في السندات بنسبة 100 % . حتى بعد وصول عوائدها لمعدلات أفضل .
لهذا نكرر مرة أخرى , بعد هذه المناقشة المبسطة للاعتبارات الجوهرية الواجب أخذها في الحسبان , علينا التأكيد على ضرورة اتباع المستثمرين المتحفظين نفس مهنج الوسطية الذي مفاده أنه في جميع الأوقات ينبغى عليهم الجمع بين الحسنيين , أي امتلاك جزء من أموالهم في صورة سندات , والجزء الاَخر في صورة أسهم  عادية . و في وسع هؤلاء المستثمرين كذلك تقسيم أموالهم مناصفة بين الأسهم والسندات أو الجمع بينهما بنسب تختلف باختلاف حكمهم على الأشياء بحسث لا يقل نصيب أحدهما عم 25 % و لا يزيد على 75 % . وسوف نعرض لهذه البدائل بمزيد من التفاصيل في فصل لاحق .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





ومما أنه في الوقت الحالى يتساوى عائد الأسهم العادية مع عائد السندات تقريباً , فإن العائد المقبول خالياً  (  بما في ذلك معدلات النمو في قيمتها  )  بالنسبة للمستثمر سوف يتغير بغض النظر عن ألوب توزيعه لأمواله على هذين المكونين . وطبقاً للحسابات سالفة الذكر , ينبغى أن يبلغ مجموع عوائد الأسهم والسندات 7.8 % قبل احتساب الضرائب ,  أو 5.5 % إذا ما أعفى من الضرائب  (  أو خضع لضرائب تقديرية  )  . أن عائداً بهذه الكيفية سوف تفوق قيمته العائد الذي يحققه المستثمر المتحفظ التقليدى طوال أغلب السنوات الماضية . لإن هذا العائد قد لا يكون مغرياً إذا ما قورن بعائد الأسهم العادية الذي حققته طوال السنوات العشرين التى سادت خلالها سوق المضاربة على الصعود التى تلت عام 1949 وبلغت قيمته 14 % أو نحوها . و مما هو جدير بالذكر أنه في الفترة ما بين ما عام 1949 وعام 1969 بلغت أسعار أسهم  " داو جونز " خمسة أمثال قيمتها , بينما بلغت عوائدها وأرباحها الضعف تقريباً . لذلك فإن الجانب الأكبر من سجل الأداء المؤثر للسوق خلال تلك الفترة يرجع الفضل فيه إلى التغيير الذي طرأ على مواقف المستثمرين والمضاربين , وليس إلى تغير القيم الأساسية للشركات . لذلك يمكننا أن نطلق على ذلك ما يعرف باسم : " عملية تطور ذاتية مستقلة بدون أي تأثير خارجى " .
فى معرض حديثنا عن محفظة الأسهم العادية للمستثمر المتحفظ تناولنا بالحديث الإصدارات المتميزة الرائدة مثل تلك المدرجة ضمن الشركات الثلاثين المكونة لمؤشر " داو جونز " الصناعى , وكان الغرض من وراء ذلك التبسيط , ى التلميح إلى أن هذه الفئات الثلاثين هى وحدها الجديرة بالاستثمار . ففى حقيقة الأمر هناك هناك العديد من الشركات الأخرى التى تعادل في جودتها جودة الشركات المدرج في قائمة " داو جونز " بل وتتفوق عليها و من بينها على سبيل المثال شركات المرافق العامة  (  والتى يمثلها مؤشر اَخر منفصل من مؤشرات " داو جونز "  )    .
وتتمثل النقطة المحورية هنا في عدم وجود اختلاف جوهرى في النتائج الكلية التى يحققها المستثمر المتحفظ من اختياره لقائمة أسهم  منوعة أو منتقاة عن اختياره لقائمة أخرى ليست كذلك , أو بعبارة أدق , لن يسعه لا هو و لا مستشاريه الماليين , التبؤ تنبؤاً صادقاً بالاختلافات التى قد تنشأ في نهاية المطاف بين قائمة وأخرى . فالحق أن الاستثمار الذكى الذي يدل على الحنكة والخبرة إنما يتجسد في انتقاء أوراق مالية تحقق نتائج أفضل من السوق بأسره . واكن هناك شعور بالشك يمتلكنا , لأسباب سوف نوردها في وقت لاحق , في قدرة المستثمرين المتحفظين على تحقيق نتائج فوق المتوسط ,مما يعنى ضرورة بذل قصارى جهدهم لرفع مستوى أدائهم بصفة عامة    .  (  بل أن دائرة الشك تتسع لتشمل قدرة بعض خبراء إدارة المحافظ الاستثمارية على تحقيق ذلك  )  . ولتوضيح وجهة نظرنا دعونا نضرب مثلاً قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه يثبت صحة النقيض مما نقول , فخلال الفترة ما بين ديسمبر من عام 1960 وحتى يسمبر عام 1970 , ارتفع مؤشر " داو جونز " من 616 نقطة إلى 839 نقطة , أو بنسبة 36 % , و لكن خلال نفس الفترة ارتفع مؤشر  " إس . اَند . بى . 500 " الأكبر حجماً والأكثر ثقلاً من 58.11 لأغى 92.15 نقطة , أي بنسبة 58 % . لذلك كان واضحاً أن المجموعة الثانية أتاحت فرص شراء أفضل من المجموعة الأولى . و لكن من ذا الذي كان يجرؤ في عام 1960 على التنبؤ بأنيتفوق أداء ما بدا وكأنه تصنيف متنوع للأسهم العادية كافة على أداء " الأسهم الثلاثين الأرستقراطية العملاقة " المدرجة بمؤشر " داو    جونز " ؟ أن النقاط سالفة الذكر تثبت – ونحن نصر على ذلك – أنه نادر ما يستطيع المرء التنبؤ بالتغيرات التى تشدها الأسعار , سواء كانت تلك التغيرات نسبية أو مطلقة .ولا يسعنا هنا سوى أن نردد مجدداً – و لا عزاء للمستثمرين – القول بأنه ليس في وسع المستثمر توقع تحقيق نتائج فوق المتوسط عن طريق شرائه للأسهم الجديدة أو الإصدارات المالية " الساخنة " , أياً كان نوعها , ونعنى بها تلك الأسهم المرشحة لتحقيق أرباح سريعة    , و لكن العكس صحيح بالتأكيد على الأسهم المدى الطويل . لذلك على المستثمر المداقع أن يقصر اسنثناراته على أسهم  الشركات المهمة التى لها باع طويل في تحقيق الأرباح  وتتمتع بمركز مالى قوى .  (  وبوسع أي محلل للأوراق المالية يستحق لقبه هذا أن يرشدك إلى قائمة طويلة بأسماء الشركات هذه الشركات  )  أما المستثمر الجرىء المغامر ففى وسعه شراء أي نوع اَخر من أنواع الأسهم العادية الأرى إذا ماتوفرت فيها عناصر الجذب التى أرسى قواعدها المحللون المحنكون .
وختام القةل سوف نشير في عجالة إلى ثلاثة مفاهيم أو ممارسات إضافية يمكن للمستثمر المتحفظ أن يستعين بها وهى كالاَتى : أولاً , شراء أسهم  صناديق الاستثمار القوية , كبديل عن تكوين حافظته الاستثمارية الخاصة التى تضم الأسهم العادية . كما أن في وسعه الاستفادة من " صناديق أمناء الاستثمار العادية " أو من " صناديق الاستثمار المشتركة " , والتى تتولى إدارتها شركات الائتمان والبنوك في العديد من الولايات ؛ ثانياً , إذا كان يمتلك ثروة ضخمة عندئذ يمكنه الاستعانة بخدمات شركة من شركات الاستشارات الاستثمارية المعروفة . مما يوفر له إدارة حترفة لبرنامج استثماراته طبقاً للمعايير القياسية . ثالثاً , اللجوء لأسلوب " توسيط التكلفة " و الذي يعنى ببساطة قيام المستثمر باستثمار نقس القيمة الدولارية في الأسهم العادية بصفة شهرية أو ربع سنوية .

وبهذه الطريقة يبتاع المزيد من الأسهم في حالة هبوط السوق عنه في حالة الإرتفاع , و من المحتمل أن ينتهى به المطاف إلى سعر إجمالي مُرضى مقابل مجمل ما في حيازته من أسهم  . ويعد هذا الأسلوب في معرض توصيتنا بضرورة قيام المستثمر بتنويع حيازته من الأسهم العادية , ولتمثل 25 % على الأقل أو 75 على الأكثر من حافظته , و ذلك في إطار حركة عكسية مع أوضاع السوق . و إن هذه الأفكار قيمة منافعة بالنسبة للمستثمر المتحفظ , لذلك سوف نتناولها باستفاضة في الفصول التالية * .
النتائج التى يتوقعها المستثمر الجرىء
مما لا مراء فيه أن المشترى سوف يرغب بالطبع , بل ويتوقع , تحقيق نتائج أفضل من تلك التى سوف يحققها نظيره المتحفظ أو السلبى . لكن ينبغى عليه التأكد أولاً من أن نتائجه لن تكون أسوأ منهما فليس من العسير أن يبذل المرء الجهد والعرق في " وول ستريت " مستعيناً في ذلك بما لديه من قدرات فطرية حتى يجد نسه قد انتهى به المطاف إلى طريق الخسارة بدلاً من البرح . فإذا لم يتم توجيه هذه القدرات إلى وجهتها الصحيحة فإنها سوف تتحول إلى حجر عثرة في طريق المستثمر . لهذا لابد أن يكون لدى المستثمر الجرىء فكرة واضحة منذا لبداية عن أفضل السبل التى توفر له فرص تحقيق النجاح , وأيها لن توصله إلى هذه الغاية .
بادىء ذى بدء سوف نستعرض الأساليب المختلفة التى يحاول المستثمرون والمضاربون من خلالها تحقيق نتائج فوق المتوسط . إليك بعض من هذه الوسائل :
1. تداول الأسهم في السوق : يراد بذلك عادة شراء الأسهم عندما يتجه السوق نحو الإرتفاع وبيعها عندما يتجه السوق نحو الهبوط . و من المحتمل أن تكون الأسهم التى يقع عليها الاختيار هى تلك الأسهم التى كان أداؤها أفضل من متوسط أداء السوق . أن عدداً ضئيلاً من المحترفين هو الذي يلجأ عادة إلى أسلوب البيع على المكشوف , حيث لا يبيعون الأسهم التى لا يمتلكونها فحسب , بل يبيعون أيضاً تلك التى يقترضونها من خلال اّليات تبادل الأسهم المتبعة في البورصة . وهدفهم هو استغلال أي تدهور يطرأ على سعر هذه الأسهم , بحيث يقومون بإعادة شرائها مجدداً بأقل من قيمة السعر الذي بيعت به .  (  وكما تشير المقولة المقتبسة من جريدة " وول ستريت " التى أرودناها بصفحة 39 , فإن حتى  " صغار المستثمرين " – و لا نقصد شيئاً سيئاً من وراء هذه التسمية – يلجئون إلى أسلوب البيع على المكشوف بلا حنكة أو دراية .
2. الانتقاء قصير الأجل : يقصد بذلك شراء أسهم  الشركات التى سجلت أرباحاً متزايدة , أو يتوقع منها تحقيق ذلك , أو من المتوقع أن تشهد تطورات إيجابية في المستقبل .
3. الانتقاء طويل الأجل : يرتكز هذا الأسلوب على إختيار أسهم  الشركات التى لها سجل ممتاز في تحقيق معدلات نمو جيدة , و من المرجح أن تستمر تلك الشركات في المستقبل . وقد يقع إختيار المستثمر في بعض الحالات على شركات لم تُظهر نتائج تثير الاعجاب  بعد , و لكن يتوقع لها امتلاك القدرة على تحقيق أرباح مرتفعة مستقبلاً  (  وهى شركات تنتمى عادة إلى قطاع صناعات التكنولوجيا , كشركات الكمبيوتر والأدوية والإلكترونيات , حيث يقومون عادة بتطوير أساليب جديدة أو منتجات واعدة  )  .

لقد أعربنا بالفعل عن نظريتنا السلبية تجاه الفرص الكلية المتاحة أمام المستثمر لإحراز النجاح في هذه الانواع المختلفة من نشاط تداول الأسهم , وقد تم استبعاد النوع الأول من مجال الاستثمار لأسباب نظرية وواقعية . فتداول الأسهم في البورصة ليس عملية تُوفر لمن يقوم بها – من خلال التحليل الدقيق المتأنى – " فرص الحفاظ على أصول استثماراته وتحقيق عوائد مرضية " . وسوف نتناول تداول الأسهم بمزيد من التفاصيل في فص لاحق * .
يواجه المستثمر نوعين من العوائق في خضم محاولته إختيار الأسهم الواعدة من أجل الاستثمار الطويل أو القصير الأجل . وتعترض أولى هذه العقبات طريقه من جراء الوقوع في الخطأ بسبب طبيعتنا البشرية , وثانيتهما بسبب طبيعة المنافسة التى يواجهها . فقد يخطىء المستثمر في تقديراته حيال تقلبات المستقبل , أو حتى عندما يصيب كبد الحقيقة قد يعكس السعر الحالى في السوق صحة توقعاته . فعلى صعيد الانتقاء قصير الأجل ,تمثل نتائج السنة الحالية لشركة ما معلومات معروفة للجميع فة " وول ستريت " , في حين تكون نتائج السنة القادمة , إلى الحد الذي يمكن التنبؤ به , موضع دراسة متأنية . لهذا , فعلى الأرجح سوف يجد المستثمر الذي يضع استثماراته في أسهم  بناء على أدائها خلال العام الحالى , أو بناء على ما نما إلى علمه من تنبؤات عن قيمتها في العام الذي يليه , أن سائر المستثمرين الاّخرين قد حذوا حذوه وفعلوا نفس الشىء للسبب ذاته مثله تماماً .
ويواجه المستثمر المعوقات ذاتها عند إختيار أسهم  الاستثمار طويل الأجل , و لكن تزايد احتمالات الوقوع في الخطأ – كما أوضحنا في مثال شركات الطيران الوارد في المقدمة – بشأن تنبؤاته في هذا الصدد عنه عند تعامله مع الأرباح  قصيرة الامد . ونظراً لأن الخبراء ليسوا معصومين من الخطأ فيما يتنبؤن به مت تقديرات , فإن المستثمر يستطيع تحقيق استفادة هائلة أن أصاب في تقديراته بينما يخطىء " وول ستريت " بأسره , لكن ذلك لا يتحقق من الناحية النظرية فحسب . كم مستثمراً جريئاً يسعه التعويل على موهبته في التنبؤ أو على فراسته لكى يتفوق على المحللين المحترفين في لعبتهم المفضلة , إلا وهى تقدير الأرباح  المستقبلية طويلة الأجل ؟
لهذا نخلص إلى النتيجة التالية المنطقية والمحبطة في أن واحد والتى مفادها : أنه لكى يتمتع المستثمر بفرصة تحقيق نتائج أفضل من النتائج العادية , يتحتم عليه اتباع السياسات التى تتوافر فيها الخصائص التالية :
 (  1  )  أن تكون صحيحة وواعدة .        (  2  )  أن تكون غير شائعة في " وول ستريت " .
فهل هناك مثل هذه السياسات التى يمكن أن يستعين بها المستثمر المغامر ؟ من الناحية النظرية هذا أمر جائز حدوثه كما أسلفنا القول , بل ويجب أن تكون هناك مبررات كثيرة تدل على إمكانية حدوثه من الناحية العلمية أيضاً . فالجميع يعرف أن أسهم  المضاربة تتحرك بين طرفى نقيض على مستوى السوق عامة , وطوال الوقت على مستوى الإصدارات الفردية . بل والأكثر من ذلك , أنه قد يتم التقليل من شأن أحد الأسهم بسبب عدم الاهتمام به أو للتحامل العام ضده بدون أي مبرر . ويمكننا القول في هذا السياق بأنعدداً كبيراً من المتعاملين في الأسهم العادية لا يعرفون – مع مراعاة اعتبارات اللياقة – الأسس التى تحكم ملية إختيار الأسهم . لهذا سوف يحفل كتابنا بعدد هائل من الأمثلة  (  المستقاة من الماضى  )  التى تبرهن على الاختلافات الجوهرية القائمة بين سعر السهم وقيمته . ولهذا ينبغى على الأذكياء الذين يجيدون التعامل مع الأرقام الذهاب إلى جولة في " وول ستريت " , وجنى ثمار حماقة الاّخرين ! هكذا يبدو الأمر , ولكنه في الواقع ليس بهذه البساطة . فشراء أسهم  مهملة , وبالتالى متدنية القيمة , بغرض الربح تمثل تجربة طويلة الأمد تختبر صبر المستثمر , كما يعد بيع الأسهم الرائجة , وبالتالى مرتفعة القيمة على المكشوف بمثابة اختبار ليس لشجاعة المرء وصبره فحسب , بل ولحجم موارده المالية أيضاً   . و على الرغم من صحة المبدأالمتبع , وإمكانية النجاح في تطبيقه إلا أنه ليس بالأمر الهين اليسير الذي يمكن للمرء أن يبرع في أدائه .
مما لاشك فيه أن هناك عدداً كبيراً من " الأوضاع الخاصة " التى يمكن الاعتماد عليها بمرور السنين في تحقيق عائد سنوى يبلغ 20 % أو يزيد بحد أدنى من المخاطرة , و لكن فقط لمن تلمس طريقه وسط دروب ومسالك الاستثمار . و من بين تلك الأسباب أسلوب المراجحة بين الأوراق المالية  (  أي الشراء والبيع المتزامن للأوراق المالية  )  وأرباح الأسهم الموزعة وجدولة الديون التى يتم تصفيتها وأساليب معينة لعمليات التغطية التى تهدف إلى توفير الحماية . و من أشهر هذه الأساليب أسلوب الدمج أو الإستحواذ المتوقع الذي يؤدى إلى زيادة قيمة أسهم  بعينها زيادة هائلة على مستوى أسعارها وقت الإعلان عن الدمج أو الإستحواذ . و مع إرتفاع عدد مثل هذه الصفقات ارتفاعاً هائلاً في غضون السنوات القليلة الماضية لابد وأنها كانت مربحة للغاية بالنسبة للمحنكين الذين يفهمون هذه المعطيات . و لكن مع كثرة الإعلان عن عمليات الدمج , ظهرت العديد من العقبات التى حالت دون إتمامها وأوقفت صفقاتها مما أدى إلى وقوع عدد محدود من الخسائر الفردية بسبب ما كان يعد في يوم من الأيام بمثابة  عمليات موثوق بها ويمكن الاعتماد عليها . وربما يكون المعدل الإجمالى للأرباح قد تضائل – في الوقت نفسه – من جراء المنافسة حامية الوطيس    .
ويبدو أن تقلص الأرباح  التى تحققت في ظل وجود تلك الأوضاع الخاصة بمثابة تجسيد لعملية تدميلا الذات – والأمر في هذه الحالة يشبه انون تقلص العوائد – و الذي ظهر وتطور و في تقلبات سوق الأسهم طوال الخمسة والسبعين عاماً السابقة . وهى دراسة تؤيد صيغة – تعتمد على حساب شراء أسهم  مؤشر " داو جونز " بأدنى قيمتها " الأساسية " و " الحقيقية " , ثم البيع بسعر أعلى من هذه القيمة . وكانت هذه الصيغة تجسيداً للحكمة المتبعة داخل بيت عائلة " روتشليد " والقائلة : " اشتر بالرخيص , وبيع بالغالى " * . وهى حكمة تتناقض مع تلك المتبعة في " وول ستريت " التى تنصح بشراء الأسهم عندما ترتفع قيمتها ثم بيعها عندما تهبط قيمتها . و لكن للأسف لم تعد تلك الصيغة ذات جدوى بعد عام 1949 . وهناك مثالاً اّخر تجسده نظرية " داو " الشهيرة التى تتناول تحركات سوق الأسهم , في إطار المقارنة بين نتائجها الجيدة المؤكدة خلال الفترة ما بين عامى 1897 و 1933 , ومستوى أدائها المشكوك فيه منذ عام 1934 .
أما المثال الثالث والأخير على الفرص الذهبية التى لم تعد متاحة مؤخراً فيتمثل في تركيز جانب كبير من تعاملاتنا في " وول ستريت " على شراء الأسهم التى تعد صفقة مربحة والتى يسهل التعرف عليها لتدنى السعر الذي تباع به عن قيمة حصتها في صافى الأصول الحالية  (  أي رأس المال العامل  )  , دون احتساب مبانى الشركة أو سائر أصولها الأخرى بالطبع , و بعد استقطاع جميع الخصوم المحسوبة على السهم . وكان من الواضح أن سعر بيع هذه الأسهم أدنى بكثير من قيمة الشركة . و لم يكن ثمة مالك و لا صاحب حيازة يفكر في بيع ما يمتلكه بمثل هدا السعر البخس . و لكن المثير للعجب هو أن مثل هذه الصفقات الشاذة لم يكن من الصعب اّنذاك العثور عليها . ففى عام 1957 نُشرت قائمة تضم ما يقرب من مائتى إصدار من هذا النوع بالسوق . و لقد كانت أسهم  الصفقات مربحة بشتى الصور العملية , وكان متوسط عائدها السنوى أعلى ربحاً عن سائر الاستثمارات الأخرى . لكن مثل هذه الأسهم اختفت من سوق الأسهم في العقد التالى , واختفى معها مجال من مجالات الاستثمار المؤكدة التى كان يعتمد عليها المستثمر المغامر . و لكن عند مستويات أسعار عام 1970 المتدنية , ظهر عدد كبير من أسهم  " رأس المال شبه العامل " , و على الرغم أن السوق كان يشهد حدوث انتعاش , ظل عدد كبير من تلك الأسهم قائماً حتى نهاية العام ليشكل حافظة مالية كاملة .
وفى ظل الظروف الحالية , لا تزال أما المستثمر المغامر فرص جمة لتحقيق نتائج أعلى من المتوسط . فلابد أن يكون هناك من بين الأوراق المالية المتداولة عدد كاف من الأسهم التى تم التقليل من قيمتها طبقاً للمعايير المنطقية الموثوق بها . وهذه الأسهم قد تعود على صاحبها بنتائج أفضل من أسهم  مؤشر " داو جونز " الصناعى , أو أي من نظرائه . وكما نعتقد , فإن تلك الأسهم لن تستحق ما يتكبده المستثمر من جهد بحثاً عنها ما لم يأمل في أن يحقق من ورائها عائداً يربو على العائد السنوى المعتاد بنسبة 5 % قبل خصم الضرائب . ولسوف ننستعرض واحداً أو أكثر من تلك الأساليب الخاصة بانتقاء الأسهم التى تناسب المستثمر الجرىء .






تعليقات على الفصل 1



ينبع الشق الإنسانى من مصدر واحد فقط إلا و هو : الجهل بكيفية البقاء ساكناً في غرفة .

- "  بليز باسكال "

لماذا في رأيك يهلل السماسرة ببورصة نيويورك فرحاً عند سماع جرس الإغلاق , بغض النظر عن مستوى أداء البورصة في ذلك اليوم ؟ والجواب هو أنهم يحتفلون بنا سيجنون من المال في كل مرة تقوم فيها بالمتاجرة في الأسهم بغض النظر عما إذا كنت قد صادفت حظاً عاثراً أو طيباً . أن قيامك بالمضاربة بدلا من الاستثمار يؤدى إلى تضاؤل فرص تحقيقك للثروة في الوقت الذي تتزايد فيه فرص تحقيق اَخرين لها .
مما لا شك فيه أنه ما من تعريف أوضح للاستثمار مثل التعريف الذي وضعه " جراهام " و الذي جاء فيه : " أن الاستثمار هو العملية التى تؤمن لك – إذا ما تحريت الدقة قيما تقوم به من تحليليات – الحفاظ على أصل المبلغ المستثمر , وتحقيق عائد مقبول "   . وينبغى عليك ملاحظة أن الاستثمار تبعاً لتعريف " جراهام يتكون من ثلاثة عناصر :

ضرورة قيامك بعمل تحليل دقيق لأوضاع الشركة وقوة أنشطتها الرئيسية قبل الإقدام على ابتياع أسهمها .
ضرورة وقاية نفسك من خطر التعرض لخسائر فادحة .
ضرورة التطلع إلى تحقيق عائد مقبول وليس خارقاً للعادة .

إن المستثمر يحدد قيمة سهم ما بناء على قيمة أنشطة الشركة التى أصدرته أما المضارب فيقامر على إرتفاع سعر السهم لأن شخصاً اَخر سوف يدفع المزيد لقاء الحصول عليه . فطبقاً لما ذكره " جراهام " ذات مرة , يحكم المستثمر على " سعر السوق طبقاً للمعايير الأساسية لتقدير القيمة " في حين يضع المضاربون " معايير القيمة القيمة الخاصة بهم طبقاً لسعر السوق " . فعروض أسعار الأسهم المستثمرة كالماء والهواء بالنسبة للمضارب , إذا منعتها عنه سيموت , أما المستثمر , فاهتماته بما يطلق عليها " جراام " اسم " قيم السعر   المعروضة " يكاد يكون معدوماً . لذلك يحث " جراهام " المرء على الستثمار فقط إذا ما شعر بالرتياح لامتلاك سهم ما من الأسهم , حتى و إن لم يتيسر له معرفة سعره اليومى .
إن المضاربة قد تكون مسلية بل ومجزية أيضاً  (  هذا أن حالفك الحظ  )  شأنها في ذلك شأن المقامرة أو سباقات الخيول , لكنها أسوأ سبل الوصول إلى الثراء , و ذلك لأن " وول ستريت " , شأنه في ذلك شأن لاس فيجاس أو سباقات الخيول , قد احتاط لكل من تسول له نفسه محاولة هزيمته في لعبة المضاربة !
ولكن من ناحية أخرى , يعد الاستثمار صورة فريدة من صور صالات القمار , فالاستثمار مقامرة لا تتعرض فيها للخسارة في نهاية المطاف ما دمت تلعب طبقاً للقواعد التى تمهد السبيل أمامك لتنال ماَربك . فالمستثمر يجنى المال من أجل نفسه , أما المضارب فيجنى المال من أجل السماسرة . ولهذا السبب , يقلل " وول ستريت " على الدوام من شأن المزايا الدائمة للاستثمار بينما يزيد من إغراء المضاربة .
 في العجلة الندامة
يحذر " جراهام " من خطأ الخلط الدائم بين المضاربة و الاستثمار . حيث أدى ذلك إلى حدوث دمار شامل خلال فترة التسعينات حين بدا أن الجميع قد نفد صبرهم دفعة واحدة , وغدت أمريكا أمة من المضاربين لا يسكنها إلا متعاملو البورصة الذين أخذوا يقفزون من سهم لاَخر مثل الجراد المنتشر في حقل من الحقول المليئة بالقش في أحد أيام شهر أغسطس .
لقد شرع الناس في الاعتقاد بأنمعيار الحكم على مدى كفاءة أسلوب ما من أساليب الاستثمار , هو ببساطة قدرته على تحقيق النجاح , فإن هم تغلبو على السوق في أي وقت مهما بلغت خطورة أساليبهم أو سذاجتها , فإنهم سرعان ما يتباهون بأنهم كانوا على صواب في اَرائهم , و لكن المستثمر الذكى لا يعنيه أن يكون محقاً في اَرائه بصورة مؤقتة . فلكى تحقق أهدافك المالية طويلة الأجل , عليك أن تكون على صواب بصورة فعلية وراسخة . و لقد بدا أن الأساليب التى شاعت في التسعينات مثل : تداول الأسهم بصورة يومية وتجاهل أسلوب التنويع وتقلب الوجوه في سماء صناديق الاستثمار المشتركة الرابحة أو اتباع " نظم " انتقاء الأسهم تؤتى ثمارها , و لكن لم يكن ليكتب  لها الاستمرار على المدى البعيد لأنها لم تستوف معايير   " جراهام " الثلاثة الخاصة بالاستثمار .
وحتى تدرك لماذا لا يعد إرتفاع العوائد مؤقتاً دليلاً يثبت أي شىء , دعنا نتخيل أن هناك مكانين يبعدان عن بعضهما البعض بـ 130 ميلاً .و إذا ما راعينا السرعة القصوى المسموح بها والتى تصل إلى 65 ميلاً في الساعة , فسيمكننى قطع هذه المسافة في ساعتين , و لكن إذا قدت بسرعة 130 ميلاً في الساعة عندئذ يمكننى قطعها في ساعة واحدة فقط . فإذا حاولت فعل ذلك وكتبت لي النجاة فهل أكون " محقاً " حينها ؟ وهل عليك أن تحذو حذوى لأنك رأيتنى أتباهى بأننى أفلحت في القيام بهذا الأمر ؟ أن الأمر لا يختلف كثيراً قيما يتعلق بالحيل والألاعيب المستخدمة للتفوق على السوق , فعلى المدى القريب سوف تتمكن من تحقيق النجاح ما دام الحظ يحالفك , و لكن بمرور الوقت سوف تتسبب في هلاكك !
عندما قام " جراهام " في عام 1973 بتنقيح هذا الكتاب للمرة الأخيرة , كان معدل الدوران السنوى لبورصة نيويورك للأسهم 20 % , مما كان يعنى اّننذاك أن حامل السهم التقليدى كان يحتفظ بسهمه لمدة خمس سنوات قبل بيعه , و لكن في عام 2002 بلغ معدل الدوران نسبة 105 % , مما يعنى قصر مدة الحيازة لتصل إلى 11.4 شهر فحسب . و في عام 1973 بلغ متوسط فترة حيازة صناديق الاستثمار المشتركة للسهم ما يقرب من ثلاث سنوات , وبحلول عام 2002 تقلصت فترة الحيازة هذه إلى 10.9 شهر فقط . وبدا الأمر وكأن مديرى تلك الصناديق الاستثمارية يمعنون النظر في تلك الأسهم لكى يعلموا أنه ما كان ينبغى لهم شراؤها من البداية , ثم الاسراع في التخلص منها والبدء من جديد .
بل أن أكثر شركات توظيف الأموال احتراماً انتابها القلق أيضاً . ففى أوائل عام 1995 وضع " جيفرى فينيك " – مدير صندوق " فيديلتى ماجلان "  (  و الذي كان يعد أكبر صناديق الاستثمار في العالم  )  – 42.5 % من أصول الصندوق في أسهم  شركات التكنولوجيا . وقد صرح بأنأغلب حملة الأسهم " استثمروا أموالهم في الصندوق من أجل أهداف لن تتحقق قبل سنوات . . . أظن أننا جميعاً نصبوا إلى تحقيق أهداف متشابهة لأنهم يؤمنون مثلى بأنالاستثمار طويل الأجل هو الأفضل " . و لكن بعد انقضاء ستة أشهر على كتابة تلك الكلمات التى تنم عن تفكير ناضج , ومتطور قام " فينيك " ببيع غالبية أسهم  التكنولوجيا التى لديه متخلصاً بذلك مما بلغت قيمته 19 مليار دولاراً في غضون ثمانية أسابيع محمومة . وبحلول عام 1999 , كان قسم السمسرة بـ " فيديتلى " يلهث وراء عملائه مشجعاً لهم على المتاجرة في أي مكان  و في أي وقت , باستخدام حاسب إلى بحجم الكف , واتسق تماماً مع الشعار الجديد للشركة " الثانية الواحدة تساوى مالاً " .

وفى نطاق مؤشر " ناسداك " ارتفع معدل الدوران بسرعة فائقة , كما يشير الشكل  (  1 – 1  )  إلى ذلك   .
ففى عام 1999 أخذت أسهم  شركة " بوما تكنولوجى " – على سبيل المثال – تنتقل من يد مستثمر إلى اَخر كل 5.7 يوم تقريباً . و على الرغم من شعار " نادساك " المتكلف والمبالغ فيه " سوق أسهم  لمدة مائة عام قادمة " كان العديد من عملائه يستطيعون بالكاد الاحتفاظ بسهم ما في أيديهم أكثر من مائة ساعة .


لعبة الفيديو المالية :
لقد جعل " وول ستريت " تداول الأسهم عبر الإنترنت بيدو وكأنه المصباح السحرى الذي يحقق الثراء في طرفة عين : فها هى شركة " ديسكفر بروكراج " ذراع مؤسسة " مورجان ستانلى " الكبرى على الإنترنت يبث إعلاناً تجارياً يظهر فيها سائق شاحنة رث المظهر , يلتقط من الطريق مديراً تنفيذياً لإحدى الشركات تبدو عليه اَثار النعيم . وعندما يلاحظ المدير الصورة الملصقة على الزجاج الأمامى للشاحنة والتى يبدو فيها شاطىء إحدى المناطق الإستوائية , يسأل السائق : " هل أنت ذاهب لقضاء إجازة ؟ " , فيباغته السائق قائلاً : " في حقيقة الأمرهذا هو مسقط رأسى " . فيرد المدير الذي أخذته هذه الإجابة على حين غرة بقوله : " أن المكان يبدو كجزيرة ! " فيجيبه السائق الذي أخذته نشوة الإنتصار قائلاً : " في الواقع هى دولة " .
إن الدعاية لم تتوقف عند هذه الحد بل تمادت إلى أبعد من ذلك فصورت تداول الأسهم عبر الإنترنت وكأنه أمر لا يحتاج إلى مجهود و لا يتطلب تفكيراً . ففى إعلان لشركة " أميرتيريد " تظهر اثنتان من ربات البيوت عادتا لتوهما من ممارسة رياضة الجرى , فإذا بإحداهما تجلس إلى الحاسب الاَلى , وتنقر على الفأرة بضع مرات , ثم سرعان ما تعلو أمارات البهجة قسمات وجهها قائلة : " أظن كسبت لتوى 1700 دولاراً ! " . و في إعلان تلفزيونى اَخر لمؤسسة سمسرة تسمى " ووتر هاوس " يظهر شخص يسأل مدرب كرة السلة " فيل جاكسون " بقوله : " هلى لديك معرفة بتداول الأسهم ؟ " , فيجيبه فيل قائلاً : " سأجرى بعض معاملاتى فوراً "   (  ترى , كم عدد المباريات التى من الممكن أن تفوز بها فرق " أن . بى . إيه " التى يدربها   " فيل جاكسون " لو أنه طبق فلسفته هذه على أرض ملعبها ؟ و في ظنى أن صيغة : " لا أعلم عنهم شيئاً ولكننى مستعد لتحديهم واللعب معهم على الفور " لا تبدو هى الأسلوب الأمثل للفوز بالبطولة
بحلول عام 1999 أضحى عدد الذين يقومون بتداول الأسهم عبر الأنترنت ستة ملايين شخص تقريباً – يقوم عشرهم بعمليات تداول يومية مستخدمين الإنترنت في بيع وشراء الأسهم بسرعة فائقة . لقد كان الجميع بداً من الممثلة والمغنية المشهورة " باربرا سترايسند " إلى     " نيكولاس بارباس " – نادل سابق في ملهى " كوينز " بنيويورك يبلغ الخامسة والعسرين من عمره يقومون بقذف الأسهم هنا وهناك وكأنهم يتلاعبون بقطع الفحم الساخنة . ويقول " بارباس " : " لقد كنت أضع أموالى فيما مضى في استثمارات طويلى الأجل , ولكنى اكتشفت أن ذلك لم يكن أمراً ينم عن الذكاء في شىء . " أما اليوم , فيقوم " نيكولاس " بتداول الأسهم – سواء بالبيع والشراء – عشر موات يومياً , و من المتوقع أن يحنى أرباحاً تبلغ قيمتها مائة ألف دولاراً في السنة . وتقول " باربرا سترايسند " في إحدى المقابلات التى أجرتها مع مجلة  " Fortune " : " لا قِبل لي برؤية اللون الأحمر في جانب عمود الخسائر أو الأرباح  , فأنا من أصحاب برج الثور ؛ لذلك إذا رأيت اللون الأحمر فإننى أنفعل , وسرعان ما أقوم ببيع أسهمى على الفور " .

إن التدفق المستمر للمعلومات المتعلقة بالأسهم داخل المطاعم وعند مصفف الشعر و في المطابخ والمقاهى وسيارات الاجرة ومواقف الشاحنات و على المواقع المالية على شبكة الإنترنت و على شاشات قنوات التلفزيون المالية حول سوق الأسهم إلى لعبة فيديو قومية لا تتوقف قط . فقذ أصبح العامة على دراية بالأسهم أكثر من ذى قبل . و لكن للأسف في الوقت الذي غرقوا في البيانات حتى اَذانهم عزت المعرفة واختفت . إذ انفصمت عرى الوشائج القائمة بين الأسهم والسركة التى أصدرتها , فاستحالت إلى نظريات مجردة أو علامات تتحرك في اتجاه الصعود فما من شىء اَخر له قيمة .
ومن ناحية أخرى كشفت شركة " جونو " للخدمات عبر شبكة الإنترنت في العشرين من ديسمبر عام 1999 , عن خطة رائدة لأعمالها , تمثلت في خسارة أكبر قدر ممكن من المال عمداً . فقد أعلنت الشركة أنها منذ ذلك الحين سوف تقدم خدمات البيع بالتجزئة بلا مقابل , ولن تحصل رسوماً على استخدام البريد الإلكترونى أو الدخول على شبكة الإنترنت , وأنها بصدد إنفاق الملايين من الدولارات على الإعلانات في العام التالى . فارتفعت قيمة أسهم  الشركة بعد هذا الإعلان من 16.375 دولاراً إلى 66.75 دولاراً للسهم في غضون يومين   .
فلم يثقل المرء نفسه بعبء التحقق من أرباح الشركة أو السلع والخدمات التى تنتجها , أو معرفة إدارتها , أو حتى اسم الشركة ؟ فكل ما عليك معرفته عن أسهمها هو رمزها الموجود على شريط الأخبار الذي يجرى من خلاله الإشارة إليها في عمليات التداول , مثل " CRSN , TGLO , PCLN , INKT , CBLT , WBVN "    . فبهذه الطريقة يسهل عليك شراؤها بصورة أسرع , دون إهدار الثانيتين اللتين قد تستغرقهما في قراءة اسمها كاملاً على محرك البحث بالإنترنت .فلقد تضاعف سعر أسهم  شركة صغيرة تسمى " تمكو سيرفيسز " تعمل في صيانة المبانى , قلما يجرى تداول أسهمها إلى ثلاثة أمثال قيمته في غضون دقيقتين وبحجم تداول قياسى . و لكن ماذا . أن الأمر ببساطة لا يتعدى كونه شكله غريباً من أشكال الأخطاء المالية النادرة , فكل ما هنالك أن اَلاف المتعاملين في البورصة أقدموا على شراء أسهم  " تمكو " لخلطهم بين رمزها في شريط الأخبار " ورمز شركة " تيكت ماستر " إحدى شركات الإنترنت المفضلة التى تم طرح أسهمها للتداول العام لأول مرة ذلك اليوم     .

لقد كان " أوسكار وايلد " يتندر بالشخص المتهكم الساخر حين قال عنه : " لا يعرف ثمن كل شىء , و لا يعرف قيمة أي شىء " . وهكذا طبقاً لمقولة أوسكار تتجلى صفة السخرية في السوق دائماً , و لكن بحلول فترة التسيعنات كانت تلك الصفة قد بلغت ذورتها لدرجة تكفى لأن تصيب     " أوسكار وايلد " نفسه بالصدمة . فلقد كان رأى واحد فقط حول السعر لا يدعمه من الأسانيد سوى النذر اليسير كفيلاً بمضاعفة قيمة سهم الشركة حتى و إن لم يتسن التحقق من قيمة تلك الأسهم بصورة كاملة . و لكن في أواخر عام 1998 حذر " هنرى بلودجيت " , أحد محللى مؤسسة " سى . أي . بى . سى أوبنهايمر " قائلاً : " كما هو الحال مع جميع أسهم  الإنترنت , فإن عملية التقييم في الألب فن أكثر منه علماً " وللدلالة على احتمال تحقيق نمو مستقبلى اختار موقع " أمازون دوت كوم " كهدف لارتفاع السعر من 150 دولاراً إلى 400 دولاراً دفعة واحدة . فكان أن ارتفع سعر سهم أمازون بنسبة 19 % في اليوم نفسه – ورغم إعلان " بلودجيت " لاحقاً أن تنبؤه كان على مدار عام , تعدت قيمة السهم 400 دولاراً في غضون ثلاثة أسابيع فقط . وبع ذلك بعام تنبأ   " ولتر بيك " محلل " باين ويبر " بارتفاع سعر سهم " كوالكم " ليبلغ 1000 دولاراً للسهم في غضون الشهور الاثنتى عشر التالية . وارتفع سعر السهم بمقدار 1842 في ذلك العام – وشهد ارتفاعاً اَخر بنسبة 31 % في اليوم نفسه , ليصل سعر السهم إلى 659 دولاراً * .
من الاستراتيجيات إلى الإخفاق التام
مما لا شك فيه أن عملية التداول المتسرع لأسهمك كمن أمسكت النيران بتلابيبه ليس هو الشكل الوحيد من أشكال المضاربة . فخلال العقد المنصرم أو نحوه , كانت تشيع بين الناس استراتيجيات مضاربة الواحدة تلة الأخرى و ما أن تظهر حتى تتلاشى . لكن قد جمع بينها بعض السمات إلا وهى تحقيقها لمكسب سريع ! وسهولة التعامل معها ! وعدم التسبب في إحداث أي أضرار مطلقاً – ولكنها جميعا ً انتهكت معايير الاختلاف القائم بين الاستثمار والمضاربة التى وضع شروطها      " جراهام " و إليك بعض هذه الاستراتيجيات التى كانت شائعة :
مكاسب ومواسم :  بقد شاع الترويج لعبارة " تأثير شهر يناير " – أي ميل الأسهم الصغيرة إلى تحقيق مكاسب ضخمة بنهاية العام – على صفحات المقالات الأكاديمية والكتب الرائجة بين أيدى الناس خلال فترة الثمانينات . وأشارت هذه الدراسة إلى أنك إذا أقدمت على شراء أسهم  صغيرة في النصف الثانى من شهر ديسمبر واحتفظت بها حتى يناير حينئذ يكون في وسعك التفوق على السوق بنسبة تتراوح ما بين خمة إلى عشرة بالمائة مما أذهل العديد من الخبراء . فلو كان الأمر يمتهى السهولة على هذا النحو لعلم الجميع ولأقدم الكثير من الناس على فعل ذلك ولتبددت الفرص ! .

إذن ما السبب وراء شيوع ما يسمى بصدمة يناير ؟ بادىء ذى بدء , يقدم العديد من المستثمرين على التخلص من أسهمهم منخفضة القيمة في اواخر كل عام للاستقادة من خسائرهم في خفض ضرائبهم . ثانيا , يزداد تحلى المديرين الماليين المحترفين بأقصى درجات الحيطة والحذر بينما يوشك العام على الانتهاء طمعاً في الحفاظ على ادائهم المتفوق  (  أو تلافى تدنى مستوى ادائهم  )  . مما يجعلهم يترددون في شراء  (  أو حتى الابقاء على  )  سهم اَخذ في التدهور .و إذا كان السهم لشركة مغمورة وكان أداؤه متدنياً فلن يحبذ المديرون الماليون الابقاء عليه ليظهر في قائمة ما في حوزتهم في نهاية العام . لقد أسهمت جميع تلك العوامل في جعل الأسهم الصغيرة عبارة عن مقايضات خاطفة , وعندما يتبعها توقف عمليات البيع التى يكون دافعها الضرائب في شهر يناير من كل عام , سرعان ما ترتفع قيمتها محققة أرباحاً مرتفعة ومكسباً سريعاً .
إن تأثير شهر يناير لم يتلاش كلية , ولكنه أخذ ينحسر رويداً رويداً . فطبقاً للبروفيسور " وليام شويرت " من جامعة " روتشستر " , إذا قمت بشراء هذه الأسهم في أواخر ديسمبر ثم قمت ببيعها في أول يناير , ستحقق أرباحاً تفوق متوسط أرباح السوق بـ 8.5 % طوال الفترة ما بين عامى 1962 و 1979 , أو بنسبة السوق بـ 4.4 نقطة في الفترة ما بين عامى 1980 و 1989 , أو بـ 5.8 نقطة في الفترة ما بين 1990 و 2001 .
ومع تزايد شيوع تأثير شهر يناير بين الناس يقوم المزيد من المتاجرين بشراء تلك الأسهم في ديسمبر , مما يحولها إلى صفقة غير مربحة ويؤدى إلى انخفاض أرباحها . و على الرغم من أن تأثير شهر يناير هو الأكثر شيوعاً بين الأسهم الصغيرة و لكن طبقاً لمجموعة " بليكسوس " – وهى من إحدى المؤسسات النابهة في مجال تقدير نفقات السمسرة الرئيسية – فإن التكلفة الإجمالية لشراء تلك الأسهم الصغيرة وبيعها قد تلتهم زهاء 8 % من حجم استثماراتك . وللأسف مع اقترابك من سداد ما يستحق عليك من مبلغ لسمسارك تكون جميع الأرباح  التى تحققت من جراء تأثير يناير قد تلاشت من بين يديك .
عليك باتباع " الأساليب الناجحة " : في عام 1996 نشر مدير مالى مغمور اسمه  " جيمس  " قال فيه مدعياً : " أن في وسع  What Works On Wall Street أوشونسى " كتاباً بعنوان "
المستثمر التفوق على السوق " و لقد زعم " أونشونسى " زعماً مثيراً للدهشة حيث قال : " أنه في الفترة ما بين عام 1954 وعام 1994 كان في وسعك مضاعفة مبلغ عشرة اَلاف دولاراً إلى 8074504 دولارات , محققاً بذلك عائداً يبلغ عشرة أمثال قيمة متوسط العائد السنوى المرتفع الذي يصل إلى 18.2 % سنوياً . و لكن كيف يتسنى للمرء فعل ذلك ؟ يقول " أوشونسى " أنه يمكن القيام بهذا الأمر من خلال شراء مجموعة من الأسهم يصل عددها إلى خمسين سهماً من تلك الأسهم التى حققت أعلى عوائد خلال عام واحد وحققت كذلك أرباحاً مرتفعة طول خمس على التوالى ويقل سعرها عن قيمة عوائد الشركة المصدرة لها بمرة والنصف . وكما لو كان هو        " توماس أديسون " بالنسبة لسوق المال , نال " أوشونسى " براءة الاختراع  الأمريكية  رقم 5978778 عما يعرف بـ " الاستراتيجيات التلقائية " وقام بتأسيس مجموعة من أربعة صناديق استثمارية بناء على ما توصل إليه من اكتشافات . وبحلول نهاية عام 1999 , كانت تلك الصناديق قد استحوذت على ما يربو على 175 مليون دولاراً من العامة , وهكذا أعلن " أوشونسى " بثقة في بيانه السنوى لحملة الأسهم قوله : " إننى اَمل دائماً أن نحقق معاً أهدافنا طويلة الأجل , بأننظل نمضى على الدرب , ونلتزم باستراتيجيتنا الاستثمارية التى أثبتت الأيام صحتها " .
لكن الأساليب الناجعة في " وول ستريت " أصبحت عقيمة عقب قيام " أوشونسى " بالترويج لها . فقد تدهور أداء اثنين من صناديقه الأربعة كما يبين الشكل  (  1 – 2  )  حتى أنهما خرجا من السوق في أوائل عام 2000 , ثم أتى سوق المال  (  طبقاً لمعايير مؤشر " إس اَند بى 500  )  " على ما تبقى من صناديقه الاستثمارية في غصون أربع سنوات متتالية .
وفى يونيو عام 2000 كاد " أوشونسى " يقترب من تحقيق أهدافه " طويلة الأجل " و ذلك عن طريق تغيير الإدارة القديمة للصناديق وتسليم إدارتها إلى مدير جديد تاركاً لعملائه مهمة النضال  " مع تلك




الاستراتيجيات الاستثمارية التى أثبت الزمن صحتها "   . و مما لا شك فيه أن شعور حملة أسهم  صناديق " أوشونسى " الاستثمارية بالاستياء كان من الممكن أن يكون أقل حدة لو أنه وضع عنواناً أكثر دقة لكتابه كأن يسميه مثلاً " الأساليب التى كانت ناجعة في " وول ستريت " إلى أن قمت بتأليف كتابى هذا " ! ! .
اتبع استراتيجية  " الأربعة الأدنى " : أعلن موقع " مولتى فوولز " على شبكة الإنترنت في منتصف التسعينات  (  وبضع كتب أخرى  )  عن أسلوب يطلق عليه استراتيجية " الأربعة الأدنى " . وطبقاً للموقع , كان بمقدور المصتثمر " أن يحقق عائداً يحطم متوشطات السوق طوال الخمسة وعشرين عاماً السابقة , بل و " التفوق على عوائد صناديق الاستثمار المشترك " , و ذلك بقضاء خمس عشرة ثدقيقة من وقته فقط كل عام " في تخطيط استثماراته . والأفضل من هذا كله أن ذلك الأسلوب لم يكن ينطوى إلا على قدر محدود للغاية من المخاطرة . وكان كل مايحتاج إليه المرء هو التالى :
1 . اقتناء خمسة من أدنى أسهم  مؤشر " داو جونز " سعراً وأعلاها ربحاً .
2 . استبعاد أقلها سعراً .
3 . وضع 40 % من استثماراتك في ثانى أقل الأسهم سعراً .
4 . وضع 20 % من الاستثمارات في كل سهم من الأسهم المتبقية .
5 . بعد مرور عام تتفقد أسهم  " داو " ثانية , ثم أعد تكوين محفظتك الاستثمارية طبقاً للخطوات         من 1 – 4 .
6 . عليك بتكرار المحاولة عاماً بعد اَخر حتى تصبح ثرياً .










وطبقاً لمزاعم " موتلى فوولز " يؤدى اتباع هذا الأسلوب في غضون خمسة وعشرين عاماً إلى تحقيق عائد يفوق متوسط العائد السنوى للسوق بـ 10.1 نقطة . وخلال العقدين التاليين ظل الزعم بأناستثمار مبلغ 20000 دولاراً طبقاً لأسلوب " الأربعة الأدنى " سيضاعف المبلغ إلى 1791000 دولاراً  (  كما زعموا بأنفي وسع المستثمر الوصول إلى ما هو أقضل من ذلك باقتناء خمسة من أسهم  " داو جونز " التى تعد توزيعاتها الأعلى من نوعها وقسمتها على الجذر التربيعى لسعر السهم مع استبعاد السهم الذي تكون نتيجيه مرتفعة وشراء الأسهم الأربعة الأخرى  )  .
ودعنا نتأكد مما إذا كانت هذه " الاستراتيجية " تنطبق عليها التعريفات التى وضعها " جراهام " لمصطلح الاستثمار :
1 . أي نوع من التحليل الدقيق هذا الذي يبرر إغفال السهم ذى السعر الأكثر إغراء والأعلى             ربحية والإبقاء على سائر الأسهم الأربعة الأخرى التى تفتقر إلى وجود تلك الصفات                 المرغوب فيها ؟
2 . كيف يمثل وضع 40 % من استثماراتك في سهم واحد " الحد الأدنى للمخاطرة " ؟
3 . با وكيف يمكن لمحفظة استثمارية اقتصرت على أربعة أسهم  لا غير أن تمثل تنويعاً في             الاستثمارات يحافظ على أصل المبلغ المستثمر ؟
 وباختصار يمكن القول بأنأسلوب  (  الأربعة الأدنى  )  كان من أكثر استراتيجيات إختيار الأسهم ابتذالاً , حيث ارتكب الخطأ  نفسه الذي وقع فيه " أوشونسى " , فلو أمعن المرء النظر بما يكفى في هذا الكم الهائل من بيانات السوق , لاستخلص منه العديد من الأنماط الاستثمارية ولو عن طريق الصدفة . كما سيكون من قبيل الصدفة العشوائية أيضاً أن يجمع بين الشركات التى تزيد عوائد أسهمها على متوسط عوائد الأسهم الأخرى العديد من الأشياء المشتركة . فإذا لم يكن لهذه العوامل أثر في تفوق أداء هذه الأسهم , فلن يصبح اللجوء إليها في التنبء بالعوائد المستقبلية .
وليس ثمة عامل واحد مما " اكتشفه موقع " موتلى فوولز " رغم كل هذا الضجيج الفارغ – بدءاً باستبعاد السهم ذى العائد الأعلى ومضاعفة الاستثمارات في ثانى أعلى الأسهم عائداً , وانتهاء بقسمة توزيعات السهم على الجذر التربيعى لسعر السهم – يمكن أن يؤدى إلى أو يفسر الأداء المستقبلى لسهم ما . و لقد توصلت مجلة إلى أن محفظة استثمارية تضم أسهماً لشركات لا تحتوى أسماؤها على أحرف مكررة , ستؤدى إلى تحقيق نقس النتيجة التى تؤدى إليها استراتيجية " موتلى فوولز " , وكل هذا نتاج الصدفى البحتة . وكما اعتاد " جراهام " أن يكرر على مسامعنا قوله : " يعتمد الأداء الجيد أو المتدنى للسهم على الأداء الجيد أو المتدنى للشركة المصدرة لها , لا أكثر و لا أقل " .
 "  ويقينا , لم تؤد استراتيجية  (  الأربعة الأدنى  )  إلى اكتساح السوق , و إنما أدت بدلا من ذلك إلى اكتساح حياة الاَلاف الذين توهموا أن ذلك أسلوب جيد للاستثمار . ففى عام 2000 وحده , فقدت أسهم  الأربعة الأدنى , وهى شركات " كاتربلير " , و " إيستمان كوداك " , و " إس بى سى " ,  و " جنرال موتورز " 14 % من فيمة أسهمها فيما انخفض مؤشر " داو جونز " بـ 4.7 % فقط .
وكما توضح هذه الأمثلة , ليس هناك ما يؤدى للكوارث في سوق المال مثل الأفكار الغبية . و ما من أسلوب من أساليب الاستثمار المزعومة يمكنها الصمود أما قانون " جراهام " . وكل الأساليب الاَلية التى تهدف إلى الوصول إلى أفضل أداء للأسهم , و إنما هى " نوع من أنواع تدمير الذات الذي يشبه قانون العوائد المتدنية " . و مما لا شك فيه أن هناك سببين لضياع العوائد , أولهما أن تكون استراتيجية الاستثمار مبنية على الإحصاءات العشوائية  (  مثل استراتيجية الأربعة الأدنى  )  .
الزمن كفيل بإثبات خلوها من المنطق في المقام الأول . أما السبب الثانى , و هو أن كانت هناك استرتيجية ناجعة في الماضى  (  كتأثير يناير  )  , فسوف يتهافت على اتباعها أساطين السوق مما يفقدها فاعليتها في المستقبل .
إن كل ما سبق إنما يؤكد على التحذير الذي أطلقه " جراهام " بضرورة ابتعادك عن المضاربة والتعامل معها كما يتعامل المضاربون المحنكون :
1 . إياك وتضليل نفسك عن طريق إيهامها بأنك تستثمر بينما تقوم بالمضاربة .
2 . المضاربة تتحول إلى خطر يهدد حياتك ما أن تأخذها على محمل الجد .
3 . عليك أن تضع حدوداً للمبلغ الذي ترغب في المخاطرة به .
وكما يفعل المضاربون عليم الالتزام يتخصيص مبلغ ضئيل من الحافظة المالية ووضعه في حساب يسمى " المال المجنون " . وتعد نسبة العشرة بالمائة من مجموع ثروة المرء منا , تمثل الحد الأقصى المسموح به لتلك المقايضات الخطرة . وإياك أن تسمح لأفكار المضاربة أن تهيمن علي ذهنك و على أنشطتك الاستثمارية , وإياك أن تضارب بأكثر من عُشر قيمة أصولك مهما كانت الظروف .
وسواء جاءت الريح بما لا تشتهى السفن أم لا , فستبقى المضاربة جزءاً من الطبيعة البشرية , جزءاً يستعصى على أغلب الناس السيطرة عليه . لكن علينا أن نكبح جماحه ونمسك بزمامه . وتلك هى الطريقة المثلى لضمان عدم خداعك لنفسك واهماً إياها بأنهنالك خلطا بين الاستثمار والمضاربة ! .


الفصل 2

المستثمر والتضخم


مما لا جدال فيه أن التضخم و سبل مكافحته شغلا حيزاً كبيراً من تفكير الناس في السنوات القليلة الماضية . والخوف  (  أو الأمل بالنسبة للمضاربين  )  من حدوث المزيد من التدهور المفزع في المستقبل أكبر الأثر في فكر " وول ستريت " . فمن الجلى أن أصحاب الدخول الثابتة سيتأثرون بارتفاع تكاليف المعيشة , كما ستتأثر أصول المبالغ المخصصة للاستثمار بالقدر ذاته . أما حملة الأسهم فالفرصة متاحة أمامهم لتعويض خسارة القوة الشرائية للدولار بارتفاع عوائد اسهمهم وأسعارها .
وبناء على هذه الحقائق التى لا يمكن إنكارها , استخلصت عدة هيئات نالية ما يلى :  (  1  )  تعد السندات على وجه الخصوص صورة من صور الاستثمار غير المرغو ب فيهه .  (  2  )  وبالتالى تعد الأسهم العادية – بطبيعتها – هى صورة الاستثمار الأكثر قبولاً من السندات . و لقد سمعنا عن مؤسسات خيرية نصحها البعض بأنتجعل محافظها الاستثمارية تتكون من الأسهم فقط دون السندات   .
وهذه نصيحة تتناقض مع ما كان عليه الوضع في الماضى حين كان ينبغى قصر استثمارات الصناديق الاستثمارية – بقوة القانون – على السندات الممتازة  (  و لكن فضلت حفنة من الأشخاص استثمار أموالهم في الأسهم  )  .


و إننى على يقين من أن لدى القراء فطنة كافية ليدركوا أنه حتى الأسهم المرتفعة الجودة لا تمثل هدفاً أفض لعمليات الشراء من السندات " مهما كانت الظروف " بغض النظر عن مدى إرتفاع سوق الأسهم أو تدنى عائد التوزيعات بالمقارنة بمعدلات السندات . لكن هذا القول السخيف يقدر ما هو سخيف ترديد نقيصه – و الذي شاع لسنوات مضت 0 و هو أنه بأى حال من الأحوال يعد أي نوع من أنواع السندات أكثر أماناً من الأسهم . وسف نحاول في هذا الفصل تطبيق مجتلف المعايير على عامل التضخم , و ذلك لتحديد المدى الذي قد يذهب إليه المستثمر في تأثره بالتوقعات الخاصة بارتفاع مستويات السعر في المستقبل .
وينبغى في هذا الصدد – كما هو الحال في سائر شئون المال الأخرى – أن ترتكز تصوراتنا المستقبلية على المعرفة بالماضى . فهل التضخم شىء جديد بالنسبة لهذا البلد , على الأقل في صورته الخطيرة التى طاعنا بها منذ عام 1965 ؟ فإذا كنا شهدنا معدلات تضخم مماثلة  (  أو أسوأ منها  )  , فما هى الدروس المستفادة التى يمكن الستعانى بها لمواجهة التضخم الحالى ؟ و في معرض الجواب عن هذه التساؤلات , دعونا نستهل بالجدول  (  2 – 1  )  , و هو تلخيص تاريخى مكثف يحوى معلومات جمة عن التغيرات في المستوى العام للأسعار و ما يصاحبه من تغيرات في أرباح الأسهم العادية وقيمتها السوقية . وسوف نبدأ أرقامنا بعام 1915 , وهكذا يمكن تغطية فترة زمنية تصل إلى 55 عاماً , مقسمة في صورة فواصل زمنية تصل مدة كل واحدة منها إلى خمس سنوات .  (  وقد استخدمنا عام 1946 بدلاً من 1945 لتلافى القيود التى فرضت على السعر خلال العام الأخير من الحرب  )  .

وسوف نلاحظ أول ما نلاحظ تعدد تجارب التضخم التى مررنا بها في السابق , بل سنجد الكثير منها . و لقد تمثلت جرعة التضخم الأقوى التى استمرت طوال خمس سنوات في الفترة مابين عامى 1915 – وعام 1920 حين وصلت تكاليف المعيشة إلى الضعف , هذا بالمقارنة بزيادة بلغت  15 % في الفترة ما بين عامى 1965 و 1970 . و بين هاتيت الفترتين , شهدنا ثلاث فترات انهارت خلالها الأسعار , تلاها ست فترات ارتفع خلالها التضخم بمعدلات متباينة , كان بعضه منخفضاً إلى حد ما . وبناء على ما تقدم , يتوجب على المستثمر أن يتوقع استمرار التضخم أو تكرار حدوثه مجدداً .
ولن أيمكننا التنبؤ بمعدل التضخم قبل أن تلوح بشائره في الأفق ؟ والجواب هو أنه ليس ثمة إجابو واضحة يتضمنها الجدول , فهو يعكس مختلف أنواع المتغيرات لذلك يبدو من المنطقى أن نستقى توقعاتنا من التاريخ المتسق للسنوات العشرين الماضية . و لقد بلغ متوسط الزيادة السنوية في مستوى سعر المستهلك خلال هذه الفترة إلى 2.5 % , و إلى 4.5 % في الفترة ما بين عامى 1965 و 1970 , و إلى 5.4 % في عام 1970 وحده . لقد كانت السياسة الحكومية الرسمية تناهض بشدة التضخم واسع النطاق , وهناك أسباب تدعو للإعتقاد بأنالسياسات الفيدرالية سوف تكون أشد فاعلية في المستقبل عما كانت عليه خلال السنوات الأخيرة   . لذلك من المنطقى في تصورنا أن يرتكز المستثمر عند هذه النقطة فيما يضعه من أفكار وقرارات على معدل تضخم مستقبلى  (  و هو احتمال يخلو من يقين  )  يصل إلى 3 % سنوياً تقريباً  (  بالمقارنة بالمعدل السنوى البلغ 2.5 % طوال الفترة ما بين عامى 1915 وحتى عام 1970 بأسرها  )  . و لكن إلام تشير هذه الزيادة ؟ تشير هذه الزيادة إلى أنه في ظل تكاليف المعيشة المرتفعة سوف يتاَكل ما يعادل مرة والنصف من قيمة الدخل الذي يحصل عليه المرء في الوقت الحالى من السندات الجيدة متوسطة الأجل غير الخاضعة للضرائب  (  أو ما يعادلها من فئة سندات الشركات الممتازة بعد فرض الضرائب  )  . ورغم أن هذا يعد انكماشاً خطيراً إلا أنه ليس ثمة داع للمبالغة في خطورته . فلن يعنى بالضرورة تناقص القوة الشرائية أو تناقص القيمة الحقيقية لثروة المستثمر بمرور الزمن . وحتى لو أنفق المستثمر نصف الدخل الذي يحققه من الفوائد بعد احتساب الضريبة لاستطاع الحفاظ على قوته الشرائية دون المساس بها , حتى في ظل معدل تضخم سنوى يبلغ 3 % .

لكن السؤال التالى الذي يطرح نفسه هو : " هل يستطيع المستثمر أن يثق تمام الثقة في أنه يحسن صنعاً عندما يشترى أوراقاً مالية أخرى بخلاف السندات ويحتفظ بها حتى في ظل معدل العائد غير المسبوق الذي ساد في الفترة ما بين عامى 1970 و 1971 ؟ " , ألن يكون من الأفضل قصر الاستثمار على الأسهم فقط بدلاً من توزيعه مناصفة بينها و بين السندات ؟ ألا تتوافر الحماية الذاتية ضد التضخم في الأسهم العادية مما يجعلها تدر عائداً مؤكداً يفوق عائد السندات ؟ ألم تحسن الأسهم إلى المستثمر أكثر من السندات طوال الفترة التى تتناولها الدراسة التى تمتد إلى 55 عاماً ؟
فى حقيقة الامر لا تخلو الإجابة عن هذه التسؤلات من التعقيد . فلا شك أن أداء الأسهم العادية فاق أداء السندات لفترة طويلة في الماضى . حيث كان متوسط إرتفاع مؤشر " داو جونز " من 77 نقطة غى عام 1915 إلى 753 نقطة في عام 1970 يسير بمعدل سنوى مركب يصل إلى 4 % يمكن أن يضاف إليها متوسط عائد توزيعات تبلغ نسبته 4 %  (  أما نظيره إس اَند بى " فتشير أرقامه إلى نفس المعدلات تقريباً  )  . وبالطبع تعد هذه النسبة الإجمالية المجمعة التى تصل إلى 8 % سنوياً أفضل من عوائد السندات طوال نفس فترة الخمسة وخمسين عاماً التى نتحدث عنها . لكن لا ترتفع العائدات التى تدرها الأسهم عن نظيرتها التى تجنيها السندات الممتازة الاَن . و هو الأمر الذي يقودنا إلى السؤال المنطقى الثانى : هل هناك سبب مقنع للاعتقاد بأنأداء الأسهم العادية سوف يكون أفضل في المستقبل مما كان عليه طوال الخمسة عقود والنصف السابقة ؟
أما إجابتنا عن هذا السؤال الجوهرى , فهى لا بوضوح . فقد يرتفع أداء الأسهم العادية في المستقبل عما كان عليه في الماضى , لكن هذا ليس شيئاً مؤكداً . وتجدر هنا الإشارة إلى أنه عند هذه المرحلة نتعامل مع عنصرين زمنيين يؤثران في نتائج الاستثمار , أولهما يتعلق بما يرجح حدوثه خلال المستقبل البعيد – لنقل خلال الخمسة وعشرين عاماً القادمة – أما العنصر الثانى فيتعلق بما قد يواجه المستثمر , سواء مالياً أو نفسياً , خلال فترة زمنية قصيرة أو متوسطة الأجل , لنقل مثلاً خمس سنوات أو أقل . أن تصواته العقلية واَماله ومخاوفه , وشعوره بالرضا أو الاستياء مما أقدم عليه فيما مضى , وفوق هذا وذاك قراره بشأن خطواته المقبلة , تحددها جميعاً التجارب التى يمر بها عاماً بعد اّخر وليست الفترة التى يستغرقها استثماره .
ويجوز لنا في هذا المقام اللجوء إلى التعميم , فليس ثمة ارتباط زمنى وثيق بين الأوضاع التضخمية  (  أو الانكماشية  )  و بين أرباح الأسهم العادية وأسعارها . وليس أدل على هذا مما حدث خلال الفترة الأخيرة  (  1966 – 1970  )  , فلقد وصل معدل إرتفاع تكاليف المعيشة إلى 22 % , و هو معدل بعد الأعلى من نوعه منذ عام 1946 وحتى عام 1950 , و لكن أخذت أخذت أسعار الأسهم العادية وأرباحها في التدهور منذ عام 1965 . وهناك تناقضات مماثلة بالنسبة لكا الاتجاهين  (  التضخم من جهة , والمكاسب والأسعار من جهة أخرى  )  على مدار السنوات الخمس الماضية .

التضخم وأرباح الشركات

لقد طرحت الدراسة التى اجرتها مؤسسة " أمريكان بيزنس " على معدل الأرباح  الرأسمالية أسلوباً اَخر شديد الأهمية . و مما لا شك فيه أن تلك الأرباح  تأرجحت مع تأرجح المعدل العام للنشاط الاقتصادى , و إن لم تظهر أي بادرة للااتجاه بصفة عامة للإرتفاع   مع تزايد أسعار البيع بصورة ملحوظة خلال السنوات العشرين الماضية رغم التضخم الذي هيمن على هذه الفترة  (  ويرجع السبب وراء حوث هذا التدهور لحد ما إلى احتساب معدلات إهلاك أكثر تحرراً . انظر الجدول    (  2 – 2  )  . وفد انتهت دراستنا الموسعة إلى أنه ليس في وسع المستثمر توقع إرتفاع معدل الأرباح  بما يفوق المعدل الذي حققته مجموعة مؤشر داو جونز و الذي ظل سائداً خلال السنوات الخمس الأخيرة وبلغ 10 % تقريباً على صافى الأصول الملموسة  (  القيمة الدفترية  )  بخلاف الأسهم . وحيث أن القيمة السوقية لهذه الأصول تفوق قيمتها الدفترية  (  قيمة سوقية مثلاً تصل إلى 900 في مقابل قيمة دفترية تبلغ 560 و ذلك في أواسط عام 1971  )  , فلن يتسنى تحقيق أرباح بسعر السوق الحالى إلا بمعدل بيلغ 6.25 %  (  وهى علاقة غالباً ما يجرى التعبير عنها بصيغة عكسية " أي صيغة عدد المرات التى تضاعف خلالها الأرباح  " , حيث يُقال على سبيل المثال , أن مؤشر " داو جونز " الذي وصل إلى 900 نقطة يساوى ضعف القيمة الفعلية للأرباح التى تحققت خلال فترة الاثنى عشر شهراً التى انتهت في يونيو 1971 باثنى عشر مرة  )  .
وتتسق الأرقام التى أوردناها مع التقدير الذي عرضناه في الفصل السابق تماماً , و الذي أشرنا فيه إلى أنه في وسع المستثمر توقع تحقيق متوسط عائد يبلغ 3.5 % سنوياً على القيمة السوقية لأسهمه , مضافاً إليه زيادة تبلغ 4 % سنوياً نتيجة إعادة استثماره للأرباح  (  ولاحظ أننا افترضنا أن كل دولاراً يضاف للقيمة الدفترية للسهم سيرفع سعره السوقى بمقدار 1.60 دولاراً  )  .
ومن ناحية أخرى قد يعترض القارىء على أن حسابتنا لا تفسح المجال في نهاية المطاف أمام تزايد أرباح السهم العادى , و لا تزيد القيم التى تنشأ من معدل التضخم المتوقع البالغ 3 % سنوياص . ولكننا نبرر ذلك بأنه ليس هناك دلائل تشير إلى أنه كان هناك تأثير مباشر فيما مضى لمعدل تضخم مماثل على ربحية السهم التى يتم تحقيقها . أن الأرقام العشوائية تشير إلى أن الأرباح  الضخمة وحدة " داو جونز " خلال العشرين عاماً الماضية , إنما تعزى إلى النمو الهائل في رؤوس الأموال المستثمرة الناتجة من إعادة استثمار الأرباح  . فلو كان للتضخم أي أثر إيجابى لتمثل في زيادة قيمة رأس المال الذي كان قائماً بالفعل , و هو الأمر الذي يؤدى بدوره لزيادة معدل أرباح رأس المال القديم , وبالتالى زيادة كجكوع رأس المال القديم والجديد معاً . و لكن لم يحدث أي شىء من هذا القبيل خلال العشرين عاماً المنقضية , والتى تزايدت خلالها أسعار البيع بالجملة بما يقرب من 40 %  (  وكان ينبغى أن تتأثر أرباح الشركات بأسعار الجملة عنها " بأسعار المستهلك "  )  . أن السبيل الوحيد الذي يمكن من خلاله أن يعود التضخم بالنفع على الأسهم العادية هو رفع معدل الأرباح  التى تتحقق من الاستثمارات الرأسمالية , و هو أمر لم يحدث من قبل في الماضى .
على ضوء الدورات الاقتصادية السابقة , فإن إرتفاع الأسعار يقترن بالنشاط الجيد والعكس صحيح . لقد ساد الشعور بأن" القليل من التضخم " يعود بالنفع على أرباح المشروعات . و لا يوجد تعارض بين وجهة النظر هذه و بين المرحلة التاريخية الممتدة من عام 1950 وحتى عام 1970 , والتى كشفت النقاب عن مزيج يضم ازدهاراً مستثمرا وأسعاراً مرتفعة بصورة عامة . لكن تشير الأرقام إلى أن كل ما تقدم كان له تأثير محدود على قوة أرباح رأس مال السهم العادى  (  رأس مال حقوق الملكية  )  , بل لم يسهم كل ذلك في الحفاظ على معدل أرباح الاستثمار . و لا مراء في أنه كانت هناك تأثيرات تعويضية مهمة حالت دون زيادة ربحية الشركات  الأمريكية  ككل , وكان من أهم هذه التأثيرات ما يلى :  (  1  )  زيادة الرواتب بمعلات فاقت إنتاجية الفرد .  (  2  )  الحاجة الملحة إلى مقدار هائل من رؤوس الأموال الجديدة , مما أدى إلى انخفاض نسبة المبيعات إلى رأس المال العامل .
وتشير الأرقام الواردة في الشكل  (  2 – 2  )  إلى أنه بعيداً عن الفائدة التى عادت على شركتنا وحملة أسهمها من التضخم , فقد كان له تأثير عكسى تماماً . فأكثر ما يسترعى الانتباه في هذا الجدول هو تلك الأرقام التى تشير إلى إرتفاع معدل ديون الشركات  الأمريكية  في الفترة ما بين عامى  (  1950 و 1969  )  . و مما يثير الدهشة حقاً أن رجال الإقتصاد والمال بـ " وول ستريت " قد غفلوا عن هذا التطور . فقد تضاعفت ديون تلك الشركات لما يقارب خمسىة أمثال قيمتها السابقة , في حين وصلت أرباحها  (  قبل فرض الضرائب  )  إلى الضعف فقط . و مع التزايد الهائل في أسعار الفائدة أضحى من الواضح أن إجمالي قيمة ديون الشركات قد أصبح يشكل عائقاً اقتصادياً ضخماً تسبب في وقوع مشاكل خطيرة وجدية للعديد من المشروعات الفردية  (  ولاحظ أن صافى أرباح عام 1950 بعد احتساب الفائدة و قبل فرض ضريبة الدخل بلغت 30 % من قيمة ديون المشروعات تقريباً , بينما لم تتجاوز 13.2 % في عام 1969 , لذلك لم يكن معدل عام 1970 مرضياً بالتأكيد  )  . وخلاصة القول أن الجانب الأكبر من أرباح أسهم  الشركات التى تبلغ 11 % تحقق بفعل الزيادة الهائلة في الديون الجديدة التى بلغت تكلفتها 4 % أو أقل بعد خصم الضريبة . ولو استمرت شركاتنا على معدل دين عام 1950 لاستمر تدهور أرباح رؤوس أموال الأسهم على الرغم من التضخم .
ولقد اعتبر سوق الأسهم مشروعات المرافق العامة ضحية رئيسية للتضخم , فقد سقطت بين شقى رحى : إرتفاع تكلفة الأموال المقترضة , وصعوبة زيادة الأسعار التى يتم احتسابها في إطار القواعد الرقابية المعمول بها . و لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن إرتفاع تكاليف وحدة الكهرباء والغاز والخدمات الهاتفية بمعدل أقل كثييراً من مؤشر السعر العام يضع تلك الشرمات في وضع استراتيجى أقوى في المستقبل , إذ خول القانون هذه الشركات فرض أسعار تكفل لها تحقيق عائد كاف من رأس مالها المستثمر , مما قد يوفر الحماية لحملة أسهمها في المستقبل من التضخم كما الحال في الماضى .
مما لا شك فيه أن النقاط سالفة الذكر تعيدنا مجدداً إلى النتيجة السابة التى سبق وانتهينا إليها , إلا وهى أن ليس في لدى المستثمر أساس لتوقع تحقيق ما يوبو على متوسط عوائد العام , الذي قد يبلغ 8 % على سبيل المثال , من حافظة مالية استثمارية تضم أسهماً عادية من فئئة " داو جونز " قام بشرائها بمستوى الأسعار التى كانت سائدة أواخر عام 1971 . وحتى إذا ما اتضح اننا قد قللنا من شأن تلك التوقعات إلى حد كبير , فإن ذلك لن ينطبق على برنامج الاستثمار في الأسهم بأسره .و إذا كان ثمة شىء مضمون في المستقبل , فهو أن قيمة الأرباح  ومتوسط القيمة السوقية السنوية للحافظة المالية القائمة على الأسهم أن تزيد بمعدل موحد يصل إلى 4 % , وأى معدل موحد اَخر . كما قال " جاى . بى . مورجان " المخضرم كلمته الخالدة عن تلك المعدلات : " مصيرها التقلب في النهاية " . مما يعنى أن مشترى الأسهم العادية بأسعار اليوم أو الغد يعرض نفسه لمخاطرة كبرى تتمثل في تحقيق نتائج غير مرضية لعدة سنوات . فلقد استغرقت " شركة جنرال موتورز "  (  بل ومؤشر " داو جونز " نفسه  )  خمسة وعشرين عاماً ليتعافيا من الخسارة الفادحة التى لحقت يهما في الفترة ما بين عامى 1929 و 1932 . فضلاً عن ذلك , لإذا كان المستثمر قد جعل حافظته الاستثمارية مقصورة على الأسهم العادية فمن المحتمل أن يضل طريقه أما بسبب الارتفاعات التى تدعو للبهجة , أو الانخفاضات التى تبعث على الشعور بالاكتئاب . بغض النظر عن مدى إرتفاع مستوى السوق أو مدى انخفاض عائد التوزيعات , و هذا الطريق في نهايته الندم بلا شك .

بدائل الأسهم العادية للحماية من اَثار التضخم

إن أفضل سياسة يتبعها كل من لا يثق في عملته المحلية في جميع أنحاء العالم هى شراء الذهب . و هو سياسة تتعارض مع " القانون الأمريكى العام " منذ عام 1935 و هو من يمكن الطالع بالنسبة لهم . ففى خلال الخمسة والثلاثين عاماً المنصرمة زاد سعر الهب في السوق المفتوح من 53 دولاراً للأوقية إلى 48 دولاراً دولاراً في أوائل عام 1972 , وهى زيادة لم تتجاوز 35 % . لكن طوال الفترة هذه الفترة لم يحصل مالك الذهب على أي دخل في صورة عائد من رأس ماله , و بدلا من ذلك تكبد بعض المصاريف مقابل تخزينه . و مما لا شك فيه , أنه كان في وسسعه تحقيق منفعة أكبر بما له لو أنه قام بإدخاره في البنك وحصل على الفوائد على الرغم من إرتفاع مستوى الأسعار بصفة عامة .
إن الإخفاق شبه التام للذهب في توفير الحماية ضد خسارة القوة الشرائية يلقى بظلال كثيفة من الشك على قدرة المستثمر العادى على حماية نفسه من التضخم عن طريق تخزين ماله في صورة " أشياء "   . فقلما تحقق الأشياء النفيسة

زيادة هائلة في قيمتها السوقية بمرور السنين – كالماس ورسوم الفنانين العظام , والطبعات الأولى من الكتب والطوابع والعملات النادرة , وخلافه . لكن المرء يساوره في العديد من هذه الحالات – و إن لم يكن في أغلبها – شعور بوجود شىء ما غير طبيعى أو مشكوك فيه أو زائف في أسعارها المعلنة . فمن العسير أن يفكر المرء في دفع 67500 دولاراً مقابل دولاراً أمريكى مصنوع من الفضة يعود تاريخه إلى عام 1804  (  و إن لم يتم سكه اَنذاك بالفعل  )  " على سبيل الاستثمار " . و لكن تجدر الإشارة هنا إلى ليس لنا خبرة سابقة بهذا المجال , فئة قليلة من قرائنا سوف تجد السباحة في تياره اَمنة ويسيرة .
لطالما اعتبرت ملكية العقارات استثماراً طويل الأجل وصائباً ويحمل في طياته الحماية من التضخم . لكن لسوء الحظ فإن قيمة العقارات عرضة هى الأخرى لتقلبات واسعة النطاق , حيث من السهل ارتكاب أخطاء فادحة في انتقاء مواقعها , و في السعر المدفوع ثمناً لها ناهيك عن الشراك التى ينصبها وكلاء البيع . لذلك فإن بيت القصيد هو أن المستثمر محدود الموارد لن يجد تنويع الاستثمارات حلا عملياً اللهم إلا إذا دخل في شتى صور الشراكة مع اَخرين وتحمل ما يصاحبها من مخاطر ناجمة عن طرح الأوراق المالية للاكتتاب العام , وهى مخاطر لا تختلف كثيراً عن تلك الناجمة عن حيازة الأسهم العادية . و هذا أيضاً ليس مجال خبرتنا , و لكن كل ما نود أن نهمس به في إذن المستثمر هو " انتبه لموطىء قدمك قبل أن تخطو " .
الختام
ختام القول أنه لأمر طبيعى أن نعود إلى السياسة التى أوصينا باتباعها في الفصل السابق . فعدم معرفة المستثمر بالغيب تجعله غير قادر على تحمل تبعة المغامرة بوضع البيض كله في سلة واحدة سواء كانت سلة السندات التى حققت عوائد غير مسبوقة مؤخراً أو سلة الأسهم رغم احتمالات استمرار معدلات التضخم .
فكلما زاد اعتماد المستثمر على حافظته الاستثمارية والعائد الذي يأتيه منها , صار لزاماً عليه أن يقى نفسه غوائل الزمن و ما يخبئه له في جعيته من أشياء غير متوقعة ومحيرة . لذلك فمن البديهى أن يسعى المستثمر المتحفظ إلى الحد من المخاطر التى يتعرض لها . لذلك نحن نعتقد اعتقاداً راسخاً بأنالمخاطر التى تقترن بشراء أحد سندات شركة هواتف مثلاً يحقق ريعاً يقارب 7.5 % , تكون أدنى من تلك التى تقترن بشراء أسهم  " داو جونز " عند 900 نقطة  (  أو أي قائمة أسهم  أخرى مماثلة  )  . و مع ذلك ينبغى على المستثمر أن يحمى نفسة من غوائلة . وليس ثمة يقين من أن ذلك الجزء من الحافظة المالية الذي يضم الأسهم يوفر حماية أكبر ضد التضخم من نظيره الذي يضم السندات .
وهذا ما أوردناه بهذا الصدد في طبعة 1965 من هذا الكتاب  (  صفحة 97  )  , و هو الذي نعيد تكراره هنا اليوم :
لابد و إن يدرك القارىء بوضوح أننا لا نحبذ شراء الأسهم العادية بمستوياتها الحالية  (  أي عند 892 نقطة بمؤشر " داو جونز "  )  . فنحن نشعر – للأسباب سالفة الذكر – بأنه لا قبل للمستثمر المتحفظ بتحمل نتائج عدم تخصيص جزء لا بأس به من حافظته الاستثمارية للأسهم العادية , وحتى و إن كان ذلك هو أهون الضررين , فالأشد ضرراً إلا تضم الحافظة المالية سوى السندات فحسب .


تعليقات على الفصل 2

الأمريكيون يزدادون قوة , فقبل عشرين عاماً , كانت كمية البقالة التى يتم شراؤها بعشرين دولاراً تتطلب شخصين ليحملاها . أما اليوم فبوسع طفل في الخامسة من عمره القيام بهذه المهمة .
هنرى يانجمان "  "  ـــ

التضخم . . . ؟ و من ذا الذي يعبأ به ؟
على الرغم من متوسط الزيادة السنوية في تكلفة السلع والخمات في الفترة ما بين عامى 1997 وعام 2002 التى قاربت 2.2 % , لا يزال رجال الإقتصاد يؤمنون بأنهذا المعدل المتدنى مبالغ فيه .  (  فعلى سبيل المثال انخفضت أسعار الكمبيوتر والأجهزة الإلكترونية المنزلية , بينما ارتفعت ودة العديد من السلع , مما يعنى حصول المستهلكين على قيمة أفضل مقابل أموالهم  )  . خلال السنوات الأخيرة بلغ المعدل الحقيقى للتضخم في الولايات المتحدة ما يقرب من 1 % سنوياً , وهى زيادة لا تذكر , ممدفع رجال المال النابهين إلى إعلان " وفاة التضخم " .

وهم المال
هناك سبباً اخر من أسباب تغافل المستثمرين عن أهمية التضخم , إلا و هو ما يسميه علماء النفس بـ " وهم المال " . ومعناه ببساطة أنك إذا تلقيت علاوة تبلغ 2 % سنوياً بينما بلغ معدل التضخم 4 % , فسوف ينتابك شعور أفضل بالارتياح عما إذا اقتطع من راتبك 2 % في وقت لا يوجد فيه تضخم . و مع ذلك فإن التغيير الذي يطرأ على راتبك سوف يقودك في كلتا الحالتين إلى النتيجة ذاتها , وهى تناقص قيمته بمعدل 2 % بعد التضخم . وطالما ظل التغير الأسمى الذي طرأ  (  طفيفاً كان أو بالغاً  )  إجابياً فنحن نراه بمثابة بادرة جديدة حيث تجعلنا الأرقام المرتفعة الكبيرة نشعر بالابتهاج , و لكن يظل التضخم يلتهم هذه الأرقام سراً . وبدلاً من القيام بانتزاع إعلانات الصحف , يقوم التضخم بانتزاع ثرواتنا . لهذا كان من اليسير التغافل عن التضخم , وكان من المهم قياس مدى نجاحك في الاستثمار , ليس فقط ما حققته , و لكن بما تستطيع استبقاءه بعد التضخم .
ومن الحقائق الأساسية التى ينبغى على المستثمر الذكى أن يجعلها مائلة أما عينيه دائماً هى ضرورة توخى الحذر مما يخبئه له القدر في جعبته من أشياء غير متوقعة لم يتحسب لها . وهناك ثلاثة أشياء وجيهة للاعتقاد بأنالتضخم لم يختف بعد وهى كالاَتى :
1  )  لقد ضربت الولايات المتحدة مؤخراً  (  في الفترة 1973 – 1982  )  واحدة من أعنف موجات التضخم في تاريخها , فطبقا لمؤشر سعر المستهلك ارتفعت الأسعار إلى الضعف أو أكثر خلال تلك الفترة بمعدل زيادة سنوى يناهز 9 % , و في عام 1979 وحده بلغ معدل التضخم 13.3 % مما أصاب الإقتصاد بالشلل خلال ما أصبح يعرف بقترة " الركود التضخمى " وأدى بالعديد من المعلقين إلى التساؤل عن قدرة الولايات المتحدة على المنافسة على المستوى العالمى . فقد ارتفعت أسعار السلع والخدمات التى كانت تساوى 100 دولاراً في بداية عام 1973 , لتبلغ 230 دولاراً بحلول نهاية عام 1982 لتهبط بذلك قيمة الدولار لتصل إلى 45 سنتاً فقط . و لم يكن أحد ممن عاصر تلك الفترة ليقلل من شأن ما لحق بالثروة من دمار , وليس ثمة إنسان حصيف قد يفوته اتقاء شر تلك المخاطرة التى قد تكل علينا بوجهها من جديد .

2  )  منذ عام 1960 شهدت 69 % من الدول الموجهة نحو اقتصاد السوق فترة من التضخم – ولو لمدة عام واحد على الأقل – بلغ خلالها معدله 25 % أو أكثر , وقد دمرت فترات التضخم المرتفع هذه في المتوسط 53 % من القوة الشرائية للمستثمر .و إذا كان ضرب من الجنون الزعم بأنأمريكا قد أفلتت من شرك مثل هذه الكارثة . فإن الأشد جنوناً هو الظن بأنها لن تقع مرة أخرى فيه قط .
 3  )  لقد أتاح إرتفاع الأسعار للعم سام الفرصة لسداد ديونه بالدولارات التى أدى التضخم إلى رخص ثمنها . أن الاثار المدمرة للتضخم تتعارض مع المصلحة الاقتصادية الشخصية لأى حكومة تقترض الأموال بانتظام .

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق